منذ نعومة أظافر تنظيم جماعة الإخوان المسلمين وتأسيسها بقيادة حسن البنا عمدت إلى إغراق المشهد المصري في أتون العنف وأنهار الدماء وفق ما يؤكّد باحثون في شؤون الجماعات الإسلامية، فليس غريباً على حد قولهم ضلوع «الإخوان» في جل الاغتيالات السياسية في مصر قبل «ثورة 1952»، فضلاً عن دلائل لا يخطئها البصر والبصيرة مجتمعين على تورّط في أحداث ما بعد الثورة وعلى رأسها محاولة اغتيال الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر الشهيرة بـ «حادث المنشية» في 26 أكتوبر 1954، فيما استكملت الجماعات المنبثقة من رحم «الإخوان» سلسلة أعمال العنف إلى أن تمّ اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات.

ولعل ما شهدته مصر بعد «ثورة 25 يناير» الخامس والعشرين من يناير وفقاً للباحثين، أظهر إصرار جامعة الإخوان المسلمين على المضي قدمًا في أنفاق العنف المُظلمة واستحلال الدماء لتحقيق مصالح وأهداف الجماعة بتحقيق المشروع الإسلامي غير متضح الملامح بعد، إذ استحلّوا في سبيل ذلك دماء المُتظاهرين أمام قصر الاتحادية ديسمبر الماضي فيما عرف إعلامياً بـ «الثلاثاء الدامي»، في أعقاب دفعهم بالأفواج لتموج أمام قصر الرئاسة واضعين بنزين الميليشيات المعبأة أمام نيران الثوار السلميين المعترضين على الإعلان الدستوري الذي أصدره مُرسي، لتشتعل أزمة دامية أعادت للأذهان وفق كثير من المراقبين صورة تاريخ الجماعة الدامي والذي فشل عمليًا في احتواء جموع المصريين المُتحمسين لتحقيق نتائج إيجابية من جراء ثورة يناير على حد قولهم.

أحداث الاتحادية

ومثّلت أحداث قصر الاتحادية وفق ما يؤكّد متتبعون لتاريخ التنظيم منذ النشأة صورة لعنف «الإخوان» ومدى استماتتهم في الدفاع عن الأفكار المطروحة من أجل إتمام المشروعات، إذ كانت تلك الأحداث بمثابة إضافة جديدة لتاريخ الدماء الذي بدأ على يد «التنظيم السري» في العام 1945، حين راحوا يُفجّرون قطارًا مخصصا لجنود الاحتلال أتبعوه بتفجير عدد من الحانات الخاصة بهم، وكان مفهومًا أنّ ذلك نوع من أنوع مقاومة الاحتلال، لولا أنّهم تورّطوا بعد ذلك في أولى عمليات الاغتيال لرموز مصريين بتاريخهم، فتمّ اغتيال أحمد ماهر باشا على يد أحد الأشخاص ويدعى محمود العيسوي والذي وصفه عدد من رجال الجماعة في مذكراتهم أمثال الشيخ سيد سابق وحسن الباقوري أنه كان «إخوانيًا» وليس من الحزب الوطني كما تردّد حينها.

ويمضي المتابعون في رصد التاريخ الأحمر لـ «الإخوان»، مشيرين إلى أنّه وفي العام 1946 قام التنظيم السري بتفجير عدد من أقسام البوليس، فيما عمدوا إلى محاولة إحراق ملفات قضيّة التخطيط لعمليات إرهابية لتفجير سفارات في العام 1948 بعد سقوطهم في قبضة السلطات وبحوزتهم أسلحة وذخيرة ومتفجّرات، إذ دفعوا بأحد عناصرهم ويدعى شفيق أنس لوضع حقيبة تحتوي على قنبلة لنسف محكمة الاستئناف في منطقة باب الخلق، ما كان سيؤدّي إلى مقتل العشرات وربما المئات من الأبرياء لولا اكتشاف الأمر وإخراج القنبلة لتنفجر أمام المحكمة.

وقبل غروب شمس العام 1948 تورّط «الإخوان» في حلقة جديدة من الاغتيالات، إذ اغتالوا محمود فهمي النقراشي باشا بعد اتخاذه قراراً بحل الجماعة، ووقتها تبرّأ مؤسس الجماعة من التنظيم السري قائلاً كلمته الشهيرة: «ليسوا إخوانًا ولا مسلمين»، فيما اغتالوا القاضي أحمد الخازندار في العام نفسه.

حادث المنشية

ويكتشف الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية بمصر وتاريخ «الإخوان يكتشف» أنّه لم تتوقّف مساعي الجماعة نحو العنف حتى بعد «ثورة 1952»، إذ ضلعوا في محاولات لاغتيال الرئيس جمال عبدالناصر في حادث المنشية الشهير لينقلب عبدالناصر عليهم، ويشن حملة ضارية على التيّار الإسلامي ويبدأ موجة اعتقالات قوية في صفوفهم مازالوا يدينونها حتى الآن ويشمتون حتى في «نكسة يونيو» وكأنها لم تحلّ ببلادهم التي نشأوا فيها!، لمجرد أنّ الرئيس كان عبدالناصر، فيما تورّطت بعد ذلك جماعات منبثقة من رحم «الإخوان» في عمليات عنف كاغتيال السادات وعمليات تحريض ضد مفكرين وأدباء ورموز، إلى أن هبّت رياح «ثورة يناير» واستولى الإخوان على السلطة فأعادوا شبح الخوف من مزاولة العنف مرة أخرى، لكن من خلال السلطة الحاكمة وليس من خلال المعارضة.

وقبيل أيام قلائل تفصل مصر عن يوم فاصل في مسيرة «ثورة يناير» وهو يوم 30 يونيو والمتواكب مع حلول الذكرى الأولى لتولي محمد مرسي مقاليد الحكم، يتوقع سياسيون ومُحللون أن تشهد مصر موجات من عنف «الإخوان»، وأن تلجأ الجماعة لاستخدام الميليشيات في مواجهة المتظاهرين، إذ رصدت «البيان» تخوّفات القوى السياسية والثورية المختلفة من عنف الإسلاميين المرتقب.

عنف مؤكّد

وأشار حزب الوفد الى أنّ وقوع أعمال عنف من قبل التيّار الإسلامي في 30 يونيو أمرٌ مؤكّد، لافتاً إلى أنّ الفصائل الإسلامية وإن جمعها خلاف مع «الإخوان» فإنها ستتكاتف من أجل استمرار المشروع الإسلامي باعتبار أنّ سقوط «الإخوان» يعني سقوط المشروع.

ويبين عضو الهيئة العليا للحزب حسين منصور في تصريحات لـ «البيان»، أنّ «الشارع لديه أمنيات كبيرة بشأن تحقّق مطالب تظاهرات 30 يونيو»، مضيفاً: «نتائج 30 يونيو متوقّفة في الأساس على المناخ العام وكم الحشد، ولاشك أن ذلك اليوم هو بداية لوضعٍ مغايرٍ لما هو قائم بالفعل»، معرباً عن آمال الحزب في انبثاق مرحلة انتقالية بقيادة القوات المسلحة والمحكمة الدستورية العليا بدلاً عن «الإخوان»، متوقّعاً أن تبدي جماعة الإخوان محاولات للعنف والدفع بالميليشيات المسلّحة تنهار أمام الحشود.

ميليشيات جماعة

وبشأن موقف الأقباط اكد المفكّر البارز إكرام لمعي لـ«البيان»، أنّ تنظيم الإخوان من المتوقع استخدامه الميليشيات لمواجهة متظاهري 30 يونيو، مؤكدًا أنّ «هناك دلائل واضحة على استخدام العنف أبرزها اتخاذ حركة «تجرّد» الداعمة للرئيس مرسي وللإخوان شعار كلاشنكوف للتعبير عن العنف وتهديد المتظاهرين والحركة الموازية لها حركة «تمرّد».

أوضح أن هناك شحنًا قويًا من قبل الطرفين المعارضة أو السلطة، مشيرًا إلى أنّ «خيار الانتخابات الرئاسية المبكرة هو الحل لمواجهة الأزمات الطاحنة»، لافتاً إلى أنّ «قوات وزارة الداخلية قد تتورّط في أعمال عنف حال ما إن حاول المتظاهرون من الطرفين جرها إلى العنف والخروج عن سلمية التظاهرات المرتقبة».

 

تصحيح مسار

أكّد الناطق الرسمي باسم التيار الشعبي أحمد عاطف، أنّ «30 يونيو يعد محطة جديدة لاستكمال وتصحيح «ثورة يناير»، مشيراً إلى أنّ «المصريين الذين استقبلوا حركة «تمّرد» بهذا الترحاب عازمون على استكمال ثورتهم وقادرون على الحشد والتوحّد بشكل قوي، والمطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مُبكرة. ولفت عاطف إلى أنّ «وزارة الداخلية تقف أمام اختبار صعب للغاية وهو بمنزلة فرصة لها لإثبات أنها بعيدة عن السياسة».