تسابق إسرائيل الزمن، متحديةً كل الشرائع والقوانين الدولية ومتجاهلة كل الجهود الدولية التي ترعاها الولايات المتحدة لتحريك مياه السلام الراكدة، لتعلن بين الحين والآخر مخططات تحاول تسويقها على أنها أمر واقع لا يجب أن يثير حفيظة أحد، هدفها الأول والأخير ابتلاع ما تبقى من أرض فلسطين.. وتكفي الإشارة إلى أنّ المستوطنات ابتلعت خلال العام المنصرم نحو ثمانية آلاف دونم من الأراضي.

فلم تكتفِ سلطات الاحتلال المتعاقبة بما نهبته من أراضٍ في نكبة 1948، ثم حرب 1967، ولكنها تواصل خلال 65 عاماً متتالية سرقة الأراضي الفلسطينية، وفي وضح النهار، وكأنها تؤسس لمعادلة خاصة بها ومن ابتكارها، وأضحت عادة ومألوفة.. مصادرة دونمات، تسمين مستوطنات، تشريع بؤر عشوائية، وإقامة مبانٍ ومشاريع ظاهرها سياحي أو خدمي أو ديني، وباطنها تهويدي وطمس للوجود الفلسطيني والإسلامي في أرض الرباط.

ورغم أن الأرقام الفلسطينية والإسرائيلية التي ترصد الاستيطان قد لا تبدو دقيقة، نظراً لأنه لا يمكن لأي جهة أو مؤسسة مجاراة مخططات إسرائيل شبه اليومية، والتي يبدأ معظمها سراً ولا يتم الكشف عنها إلا في مراحلها شبه النهائية، إلا أن ما تكشّف أخيراً عن حصيلة ومساحة المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية مفجعُ للغاية.

وفيما ذكر تقرير إسرائيلي أن المستوطنات ابتلعت خلال العام 2012 نحو ثمانية آلاف دونم بموجب قرار اتخذه الجيش الإسرائيلي، من خلال عملية «ضم زاحف للأراضي» إلى المستوطنات، كشف كبير المفاوضين الفلسطينيين د. صائب عريقات، أن عدد المستوطنات تضخم منذ تولي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو منصبه في العام 2009 وحتى نهاية العام المنصرم إلى ستة آلاف وست وحدات سكنية، بمعدل 11 وحدة سكنية يومياً، كما تضاعف عنف المستوطنين المفرط ضد الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم بنسبة 315 في المئة.

حصيلة ضخمة لاعتداءات سافرة بحق شعب لا يزال هو الوحيد في العالم الذي يرزح تحت الاحتلال منذ عقود، وانتهاكات واضحة للقانونين الدولي والإنساني وكل المواثيق والأعراف الدولية، ومع ذلك يكتفي المجتمع الدولي بالشجب والإدانة، وطلبه «المهذب» من تل أبيب التراجع عن قرارتها. وأحياناً يوجّه، في أفضل الحالات، عبارات التوبيخ لمندوبيها الدائمين وسفرائها.

كما كان رد فعل «راعي السلام» الأميركي وزير الخارجية جون كيري الذي اكتفى بإجراء اتصال هاتفي مع السفير الإسرائيلي لدى واشنطن مايكل أورن، لتوبيخه عقب إعلان حكومة الاحتلال نيتها إضفاء صفة قانونية على أربع بؤر استيطانية عشوائية في الضفة الغربية.

إجراء غير مسبوق، ولكنه للأسف غير كافٍ ولم يردع نتانياهو وحكومته، كما أنه لم يمنعها من الإعلان بعيد ذلك عن توقيع عقود لبناء أكثر من ألف وحدة استيطانية شرقي القدس المحتلة، فضلاً عن مصادرة مئات الدونمات من الأراضي الفلسطينية، بذراع عسكرية كغطاء لتوسعاتها الاستيطانية، في تقويض واضح وصريح لكافة الجهود المبذولة لتحريك مياه السلام الراكدة منذ أعوام.

ليس هذا فحسب، بل يعتزم حزب الليكود الحاكم الذي يتزعمه نتانياهو طرح مشروع «قانون أساس»، الذي يعتبر قانوناً دستورياً، يمهد لإمكانية ضم الضفة الغربية لإسرائيل بصورة تتنافى مع القانون الدولي، والذي تضم أحد بنوده عبارة أن «أرض إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي، ومكان تأسيس دولة إسرائيل»، وهو يقضي أيضاً بخفض مكانة اللغة العربية والتوقف عن اعتبارها لغة رسمية، ما يعني تهميش وإلغاء الوجود الفلسطيني في الأراضي المحتلة في العام 1948.

مشروع قانون وصفته المعارضة الإسرائيلية، التي يتقدمها حزب العمل، بأنها كارثة، فكيف يمكن أن يصفه الفلسطينيون والعرب والعالم أجمع؟!