ربط كثير من المراقبين بين الأحداث التي شهدتها تركيا الأسبوع الماضي وما جرى خلال العامين الماضيين في الوطن العربي، واعتبروا أنّ شرارة الربيع العربي وصلت إلى تركيا، بعدما اجتاحت تظاهرات حاشدة مدينة إسطنبول أولاً.

ثم انتشرت إلى مدن تركية أخرى مثل أنقرة وأنطاكيا وأزمير وغيرها، احتجاجاً (كما بدا في أول الأمر) على مشروع حكومي يقضي بتحويل حديقة تاريخية تدعى «جيزي بارك» إلى مركز تجاري سياحي ثقافي. ويبدو أن المشروع كان القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ تبين أن هناك أسباباً متراكمة أخرى ساهمت في تأجيج الوضع.

ما حدث في تركيا لم يكن سببه فقط الوعي بالبيئة والحفاظ على المحيط، بل كان دليلاً على احتقان عميق، ولم تكن ساحة تقسيم التي كادت أن تقسم تركيا، إلا الشرارة التي أوصلت النار للبارود، فخرجت الجماهير الغاضبة من رغبة أردوغان في فرض نظام ذي رأي واحد على تركيا، لوضع حد لهذه النوايا، رافضة أن تتنازل عن مكاسب النظام المدني الذي ارتقى بتركيا إلى مصاف الديمقراطيات العريقة.

ويؤكد كثير من المراقبين أن شرارة التظاهرات جاءت بعد تراكمات، حيث يبدو أن ورقة التوت قد سقطت عما كانت تعانيه تركيا من احتقان داخلي.. فيما تشعر المعارضة التركية منذ سنوات طويلة بعجزها وعدم امتلاكها مفاتيح صناديق الانتخابات، وترى أن شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم في ازدياد مطرد من انتخابات لأخرى.

فإذا ما أضفنا إلى ذلك سلسلة من السياسات والقوانين التي قامت بها الحكومة أو سنها البرلمان، فسنجد أن المعارضة وقواعدها الشعبية باتت تشعر بقلق متزايد من تفرد رئيس الوزراء أردوغان وحزبه بالحكم، ومحاولاته فرض ثقافة دينية معينة على الشعب، فيما يعاني الشعب من تهميش حقيقي في الجانب الاجتماعي، بينما تركز الحكومة اهتماماتها على الشؤون الخارجية دون الداخل.

ويتخوف البعض من ازدياد زخم الحراك الشعبي وتصدي الحكومة الحالية له ما سيضطر الجيش التركي للتدخل والإمساك بزمام الأمور وعودته لأداء دوره السابق في الحياة السياسية التركية، ما يعني انقلاباً على الشرعية السياسية، خاصة وأن لهذا السيناريو تبعات مؤلمة على حكومة أردوغان وحزبه.

لذلك ستسعى الحكومة إلى تجنيب البلاد هذا السيناريو من خلال تهدئة الوضع تدريجياً عبر انتهاج الدبلوماسية الهادئة، حيث اعترفت بأنها أساءت مواجهة الاحتجاجات بلجوئها إلى القوة، حيث إنها لم تتوان عن تقديم اعتذارات للشعب في سياق احتواء الأزمة وتجنب دخول البلاد في فوضى أمنية.

حكومة حزب العدالة والتنمية أحدثت بالفعل تغيّراً في موازين القوى السياسية والمجتمعية في تركيا، فضلاً عن أنها تمثل شرائح اجتماعية واقتصادية وثقافية لها مصلحة في بقاء أردوغان.

وبالمقابل لا يعتقد البعض أن ما يحدث هو مجرد طفرة اعتراضية من طرف مجموعة من الشباب عديمي الميول السياسية أو الخلفيات الاجتماعية، وبالتالي سرعان ما ستنفض التظاهرات ويعود كل شيء إلى حاله السابق. والسبب في ذلك أن التظاهرات كانت جزءاً من حراك سياسي، على خلفية صراع تاريخي محمّل بأبعاد سياسية واقتصادية وثقافية.

على الأرجح سيضطر أردوغان إلى توجيه أنظاره إلى الداخل التركي لاحتواء الموقف، ما سيمنعه من مواصلة الانخراط الإقليمي في قضايا المنطقة، كما سيعمد أردوغان إلى تغليب الاعتبارات الداخلية على اعتبارات السياسة الإقليمية في الفترة الراهنة.