لحظات حرجة تمر بها سوريا منذ تاريخ نشأتها حيث تشهد الساحة الدولية تجاذبات حول ما هو السبيل الأمثل لوقف نزيف الدم السوري وآليات ذلك، في ظل تزايد تعقيدات الأزمة على المستوى السياسي، واتضاح الأمور أكثر على الارض مع اشتداد المعارك بين قوات النظام ومليشيات المعارضة والتي يبدو أنها ترسم مع قتالها حدود التقسيم المقبلة.
المؤتمر الدولي «جنيف 2» المزمع عقده الشهر المقبل سعياً إلى حل سياسي للأزمة السورية يمر بامتحانٍ صعب ودقيق، إلى حد أن تطورات الأيام الأخيرة أشاعت الكثير من الشكوك حول جدّيته وجدواه وإمكان انعقاده، بسبب تكاثر التعقيدات والنقاط التي يجب حلها مسبقاً.
فمنذ أن طرحت فكرة المؤتمر أوائل مايو بناءً على اتفاق مزعوم بين الولايات المتحدة وروسيا، والذي تبعه اجتماع أصدقاء سوريا الشهر الماضي في عمان وبحثوا في آليات التفاوض بين النظام والمعارضة وترتيبات انعقاد «جنيف 2»، في ظل حراك دولي مكثف تزامن بدء النظام وائتلاف المعارضة معركة سياسية باكرة حول مسألة تنحي الأسد كشرط للتفاوض، إضافة إلى أنّ الائتلاف أعلن أن المعارضة لن تشارك في أي جهود دولية في ظل مشاركة إيران وحزب الله في معارك سوريا إلى جانب النظام.
الرئيس المستقيل للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية أحمد معاذ الخطيب قدم خريطة طريق لحل الأزمة تركز على عدم مشاركة بشار الاسد في أي عملية انتقالية، قابلها النظام بتصريحات واشتراطات بضرورة بقاء الرئيس السوري، كما ظهرت تسريبات عن خطة عمل تركية ركنها الاساسي تسليم الاسد صلاحياته كاملة لحكومة انتقالية يشكلها النظام والمعارضة، مقابل السماح له بالبقاء في سوريا والمشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
تصعيد عسكري
كل ذلك دفع النظام السوري إلى التصعيد عسكرياً لتحصين موقفه التفاوضي، كما أن تدخل حزب الله وإيران في القتال والغارات الإسرائيلية على مواقع للنظام قرب دمشق، أضافت وقائع جديدة إلى الأزمة. إضافة الى أنه يُستدل من المواقف الأميركية الأخيرة كتأييد رفع الحظر الأوروبي عن تسليح المعارضة واعتبار إقامة منطقة حظر جوي خياراً مطروحاً وانتقادات روسيا لهذه المواقف، أن الدولتين الكبريين (روسيا واميركا) ليستا متفقتين تماماً.
عدم وضوح كيفية تمثيل الطرفين (النظام والمعارضة) في «جنيف 2»، خصوصاً أن اجتماعات المعارضة في اسطنبول لم تذلل بعد كل خلافاتها. ثم إن وجود أطراف معارضة أخرى خارج الائتلاف تريد المشاركة في المؤتمر، ستزيد صعوبات الاتفاق على وفد موحد للمعارضة. وهو ما يدل على ان الصعوبات نفسها التي حالت دون الشروع في تطبيق «جنيف 1» لاتزال ماثلة أمام «جنيف 2».
إشكالية
وعلى افتراض أن «جنيف 2» نجح في الانعقاد فإن الإشكالية تبقى في ما هو مستقبل حياة الشعب السوري إذا ما ظلّ الأسد وحاشيته يحكمون سوريا أو حتى يشاركوا في إدارة فترة انتقالية. وهل يمكن للشعب الذي مزقه هذا النظام أن يقبل وجوده حتى في فترة انتقالية؟ أو أن يتم إعادة التعايش للسوريين بعد أن استعان الأسد بإيران وحزب الله اللبناني.
المؤتمر يبدو أنه محاولة أخيرة لإعادة التعايش السلمي بين مختلف الطوائف السورية قبل احتمال التقسيم، والتي تشير أغلب الدلالات إليه باعتبار أنه بعد كل الجرائم التي ارتكبت في سوريا لن تكون هنالك فرصة للتعايش السلمي، ومن ذلك يمكن اعتبار «جنيف 2» مؤتمر المساومات على تقسيم سوريا.
تطهير عرقي
من الدلائل على ذلك أن قوات الأسد مدعومة بقوات إيرانية ومن حزب الله تقوم منذ مدة بعملية التطهير العرقي في الساحل السوري على البحر المتوسط الذي تسكن مدنه أغلبية سنية وأقلية علوية، في حين يحيط بالمدن قرى سنية وأخرى علوية، بغية إحداث تغيير سكاني على الأرض في تلك المنطقة لصالح الطائفة العلوية، بما يمهد لتقسيم سوريا إلى عدة دويلات. يبدو أن إحداها علوية تتمركز على الساحل من حدود تركيا في أقصى الشمال السوري حتى حدود لبنان، والثانية دويلة سنية تمتد في وسط البلاد بمحاذاة حدود الدويلة الأولى، فيما الثالثة كردية تنتشر على معظم شرق البلاد بما فيه الحدود السورية- العراقية، وتكون امتدادًا لمنطقة الحكم الذاتي الكردي في شمال العراق التي هي بالفعل نواة الدولة الكردية مترامية الأطراف، التي يسعى الأكراد لإنشائها داخل حدود الدول الأربع المحيطة بها.
تعقيدات
أعلن الرئيس السوري بشار الأسد الخميس الماضي أن دمشق تسلمت شحنة أولى من صواريخ «إس 300» الروسية. وهو ما يعتبر تحدياً لإسرائيل التي اعتبرتها مخلة بالتوازن العسكري في المنطقة، وتوعّدت بتدميرها. وانتظار روسيا خمسة أيام ليعلن رئيسها فلاديمير بوتين، الثلاثاء الماضي، أن اتفاق روسيا وسوريا حول تسليم منظومات «إس 300» لم ينفّذ بعد، وهذا يزيد من تعقيدات الأمور ويثير تساؤلات أكثر.