شكلت نكسة القصير انتكاسة فعلية في صفوف المعارضة السورية، وتركت أثراً بالغاً في نفوس الثوار والقاعدة الشعبية التي تدعم المعارضة، حيث لم يكن من المتوقع أن يسفر سقوط المدينة بهذه السرعة، كون المعطيات الميدانية حسب وسائل الإعلام كانت توحي بإطالة عمر الصراع العسكري، بالتوازي مع خروج أصوات من داخل أوساط المعارضة كانت ترجح كفة الثوار، خاصة بعد وصول التعزيزات العسكرية من المناطق الأخرى.
وتقاربت الآراء في أن الإحباط كان نابعاً من التضخيم الإعلامي الفضفاض لدى المعارضة وبعض الجهات الإعلامية العربية، حيث وصفت تلك الجهات عبر حملات إعلامية مكثفة أن القصير معقل عسكري استراتيجي يدار فيه أهم المعارك مع القوات النظامية ومليشيات حزب الله منذ انطلاقة الثورة السورية. حتى ذهب البعض من معسكر المعارضة والنظام في تصوراتهم المتطرفة بأن سقوط القصير تعني عملياً تلقي الثورة ضربة قاضية، وتالياً قد تسقط المناطق الثائرة واحدة تلو الأخرى بيد القوات النظامية دون مقاومة تذكر.
وتشير الكاتبة السورية سماح الهدايا أن سقوط المدينة المفاجئ كان له تداعيات معنوية ونفسية على روح الثوار، حيث ضخم من حجم الآلام والهزيمة لدى أوساط المعارضة. لكن الهدايا تؤكد أن «الناس لن تتأثر أكثر مما هي متأثرة ومحبطة. لا حل أمامها سوى الثبات. والتراجع يعني خسائر مضاعفة».
وتربط الهدايا هذا التكالب على القصير بأنه «من أجل ذهاب المعارضة إلى مؤتمر جنيف-2 ضعفاء مهزوزين. بينما قد يوهم النظام نفسه بأنه يرفع عبر هذا الانتصار التكتيكي الوقتي من رصيده السياسي والعسكري على الأرض، ويعزز موقفه التفاوضي، دون أن يعي أن الدول العظمى لم تعد تعير الاهتمام بالتوازنات العسكرية على الأرض أكثر من تدمير سوريا».
دروس
لا ريب أن سقوط مدينة قصير يتقاطع في حيثياته ونتائجه مع بابا عمرو وغيره من المواقع التي حررها الجيش الحر، ثم اضطر في نهاية المطاف إلى التراجع لصالح النظام. وفي الأساس، لم تتحول إستراتيجية الجيش الحر طوال الثورة التشبث بالحيز الجغرافي إلى آخر رمق، بقدر ما اعتمدت على أسلوب الكر والفر، وتبني عفوياً مفهوم حرب العصابات في مواجهات المواقع والقواعد العسكرية النظامية الثابتة. ولعل رئيس المجلس الوطني السابق د. برهان غليون وضع الأمر في سياقه حين أوضح أن الانسحاب من القصير هو تكتيكي استفاد منه النظام من الناحية الإعلامية والعسكرية، لكنه على المستوى الاستراتيجي لن يغير شيئاً.