تتجه الأوضاع في تونس إلى مزيد من التأزم والغموض بسبب مشروع الدستور الذي تم الإعلان السبت الماضي عن الانتهاء من صياغته، خصوصاً وأن مشروع الدستور سيناقش ويعرض على التصويت في يوليو المقبل، ما ينذر بصيف تونسي ملتهب، في وقت يعتزم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، الذي يتزعمه الرئيس المنصف المرزوقي، وأحزاب معارضة أخرى، مقاضاة المجلس التأسيسي، وسط دعوات إلى حله وسحب الثقة من رئيسه.

وفي حين يرى المراقبون أن الخلافات الحالية تجعل من شبه المستحيل المصادقة على مشروع الدستور، ما سيدفع إلى استفتاء الشعب عليه أو إعادته من جديد إلى لجنة الصياغة، تصاعدت دعوات إلى حل المجلس التأسيسي وسحب الثقة من رئيسه مصطفى بن جعفر، الذي اتهمه بعض النواب بـ «التحيّل»، وبمحاولة استرضاء حركة النهضة على حساب مصلحة الشعب ومستقبل الأجيال وأهداف الثورة، واشترك نواب من حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يتزعمه المرزوقي، وهو أحد أحزاب الائتلاف الحاكم في انتقاد بن جعفر بسبب تسرّعه في الانتهاء من صياغة مشروع الدستور وحركة النهضة بسبب تراجعها عن توافقات الحوار الوطني.

مقاضاة بن جعفر

وأعلن النائب عن المؤتمر من أجل الجمهورية عمر الشتوي أن نواب كتلته يعتزمون مقاضاة بن جعفر للطعن في ما سماه انحرافاً بالإجراءات في صياغة الدستور، ولم يستبعد الشتوي تكوين حزام سياسي يضم كلاً من الأحزاب المعترضة على مشروع الدستور الجديد ورجال الإعلام والمنظمات المساندة لموقف حزبه للحيلولة دون مرور المشروع الحالي للجلسة العامة.

من جهته، حمّل النائب عن المؤتمر من أجل الجمهورية بشير النفزي كلاً من حركة النهضة ورئاسة المجلس التأسيسي المسؤولية في إفشال الحوار الوطني متسائلاً عن سبب التسرّع في ختم الدستور وعدم الانتظار ثلاثة أيام لإدراج توافقات الحوار الوطني المتواصل هذه الأيام حوله.

القضاء الإداري

في هذه الأجواء، قررت مجموعة من نوّاب المجلس التأسيسي تمثل أكثر من ثلث الأعضاء، بعد اجتماع لهم رفض مشروع الدستور المعلن عنه والتوجه إلى المحكمة الإدارية لرفع قضية بهدف إعادة المشروع إلى اللجان التأسيسية.

وقالت النائبة عن حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي سلمى بكار والتي ترأست الاجتماع إن نواباً من المعارضة ومستقلّين قرروا رفض طريقة العمل التي أعد بها مشروع الدستور والتوجه إلى المحكمة الإدارية بداية من اليوم.

واعتبرت بكار أن طريقة العمل المتبعة من قبل الهيئة المشتركة للتنسيق والصياغة أخلت بالمضامين الواردة عليها من اللجان التأسيسية وعرضت مضامين أخرى مغايرة حددتها بنفسها على الخبراء، كما أنها أعلنت عن مشروع الدستور قبل أن تنظر فيه اللجان التأسيسية بصفة نهائية في اجتماعها ليوم أمس.

واتهمت بكاّر حركة النهضة بتعطيل الحلول التي توصل إليها الحوار الوطني للقضايا الرئيسية العالقة في الدستور.

وشارك في الاجتماع نواب عن أحزاب المؤتمر من أجل الجمهورية والمسار والمبادرة والجبهة الشعبية والجمهوري وتيار المحبة ومستقلون.

حل المجلس

بدوره، دعا النائب عن حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحّد والجبهة الشعبية منجي الرحوي إلى حلّ المجلس التأسيسي.

وقال الرحوي إنّه «كان من الواجب حلّ المجلس بعد أن حاد عن أهدافه وعن الغاية من انتخابه»، بحسب رأيه.

وأوضح ان مشكلة تونس لا تتمثل في مدى أسلمة الشعب، وأن «مشروعي الدستور اللذين نشرا يومي 1 يونيو الجاري و22 أبريل الماضي ليسا متطابقين لعمل اللجان، وهي عملية انقلاب بتواطؤ مفضوح بين حركة النهضة ورئيس المجلس التأسيسي»، وفق تعبيره.

دستور إخواني

من جهته، انتقد سفير تونس السابق لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) المازري حداد بشدة أداء النخبة السياسية في بلاده، واتهمها بخذلان الشعب وإيذائه من خلال مشروع الدستور الذي تم إعداده.

وقال حداد إن مشروع الدستور الجديد «سيكون في النهاية إخوانياً وغير مدني ولا ديمقراطي، مضيفا أنه لن يعكس حتى الإسلام، بل تأويلات بعض المتشددين ممن يعتبرون أنفسهم أوصياء على الدين والشريعة.

النهضة تردّ

وبالمقابل، قال المقرر العام للدستور النائب عن حركة النهضة الحبيب خضر أن الدستور الجديد ليس دستور حركة النهضة ومن يقول بذلك فهو يزايد.

وأكد خضر أن «الدستور الحالي دستور توافقي كان نتيجة للتوافقات الوطنية وليس دستوراً لأي فصيل حزبي» وأردف «يمكن أن ينتقد الدستور في بعض النقاط، أما اعتباره دستوراً للنهضة فهذه مزايدة». وفي الاتجاه ذاته، أكد النائب عن حركة النهضة عماد الحمامي أنّه تمّ تضمين عدد من توافقات الحوار الوطني في مشروع الدستور. وقال إنّ طلب مهلة للإعلان عن ختم الدستور محاولة لتعطيل أشغال «التأسيسي».

تعليق المشاركة

على صعيد آخر، قرّرت أحزاب المعارضة التونسية وعدد من منظمات المجتمع المدني تعليق مشاركتها في لجان الحوار الوطني المنبثقة عن مؤتمر الحوار الوطني التي يرعاها الاتحاد العام التونسي للشغل. وعلمت «البيان» أن جميع الأحزاب ما عدا حركة النهضة انسحبت من جلسات الحوار واعتبرت أن لا طائل من ورائها بعد تراجع حركة النهضة عن التوافقات السابقة، وخاصة حول الدستور ورابطات حماية الثورة.

إلى ذلك، دعا زعيم حزب العمال والناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية حمة الهمامي المجتمع التونسي والقوى الشعبية إلى التجمع والتعبئة بالآلاف أمام المجلس التأسيسي يوم مناقشة الدستور. وقال خلال مؤتمر صحافي عقده أمس إن «رئيس المجلس مصطفى بن جعفر وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي انقلبا على المجلس وعلى إرادة الشعب واللجان العاملة في التأسيسي، وإنه لا يمكن الائتمان على الدستور»، معلناً أن الجبهة أطلقت «مبادرة من أجل تكوين ائتلاف وطني واسع للإنقاذ» وذلك لوضع حد للمخاطر المتعددة التي تهدد البلاد الأمنية منها والاقتصادية والسياسية والتي أصبحت تحكم على ثورة تونس بالفشل، على حد تعبيره

 

تمديد طوارئ

قررت الرئاسة التونسية تمديد حالة الطوارئ لمدة شهر ابتداءً من أمس الثلاثاء حتى يوم الرابع من يوليو المقبل.

وأوضحت أن قرار التمديد اتخذ بعد التشاور مع رئيس الحكومة علي العريّض ورئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر والجهات الأمنية.

وأعلنت الرئاسة في بيان قرار تمديد الطوارئ المعمول به في البلاد منذ الثورة التي أطاحت بالرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في يناير

تونس وتحديات المرحلة الانتقالية