ربما تكون أعنف أعمال شغب تشهدها تركيا خلال عقود بسبب هدم متنزه صغير في اسطنبول لكنها تفجرت لتتحول الى استعراض لتحدي ما يرى كثيرون انه تسلط متزايد من جانب رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان.
وضاعف حزب العدالة والتنمية، الذي يتولى السلطة منذ اكثر من عقد، من نصيبه من الأصوات في كل من الانتخابات الثلاثة الأخيرة التي كانت ايذاناً باستقرار سياسي لتشهد البلاد بعضاً من أسرع معدلات النمو الاقتصادي في أوروبا.
والآن وفي الولاية الأخيرة لرئيس الوزراء يحاول أردوغان ترك بصماته على تركيا من خلال اعادة صياغة سياستها الخارجية واصلاح الدستور بل وتغيير الطابع المعماري العتيق لاسطنبول. لكن البعض وبينهم مؤيدون سابقون يتهمونه بالتسلط المفرط وتكميم الاعلام وتشديد قبضة حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي اليه على مؤسسات الدولة واقحام الدين في قلب السياسة في انتهاك للدستور العلماني لتركيا.
وقالت توجبا بتيكطاش، وهي خريجة جامعية عاطلة عمرها 25 عاماً قبل ان تنضم الى الاحتجاجات المناهضة للحكومة في وسط اسطنبول في ساعة متأخرة من مساء السبت: «لو كان الأمر متروكاً لرئيس الوزراء لكنت اضطررت لارتداء الحجاب».
واتهم أردوغان حزب الشعب الجمهوري، وهو حزب المعارضة الرئيسي، باذكاء المظاهرات بينما حذر مسؤولون حكوميون آخرون من ان الاضطرابات مؤامرة لتهيئة الساحة لتدخل الجيش مثلما حدث في الماضي.
وقالت الاستاذة بجامعة البوسفور وعضو منتدى تقسيم بتول تانباي الذي شن حملة امتدت أكثر من عام لمشروع يستند الى تحقيق توافق: «عندما لا يتم التشاور مع المواطنين الأتراك حتى بشأن متنزه فان البلاد تصبح غير ديمقراطية».
مشروع تقسيم
و«تقسيم» مجرد مشروع من مشروعات الانشاءات الحكومية التي تضم أكبر مطار في العالم وثالث جسر يتكلف ثلاثة مليارات دولار على البوسفور وقناة شحن تتكلف 10 مليارات دولار ستحول نصف اسطنبول الى جزيرة. والساحة ذات طبيعة خاصة اذ بينما تجسد الساحات الأخرى في اسطنبول عظمة الامبراطورية العثمانية فإن تقسيم تشيد بالأفكار العلمانية للجمهورية التي تأسست في العام 1923 بعد انهيار هذه الامبراطورية. كما كانت الساحة حتى وقت قريب موقعاً لمذبحة العام 1977 لنحو 40 يساريا في عيد العمال.
وقال رئيس غرفة المهندسين المعماريين أيوب موكو في مقابلة قبل الاحتجاجات إنّ «تقسيم ذات أهمية كبرى لدى الدوائر المختلفة... ان تهدم تقسيم دون أي توافق اجتماعي أمر يضر بمنطقة فضاء عامة مهمة ليس فقط لاسطنبول وانما لتركيا باسرها».
وأبقى الجيش التركي الذي عين نفسه حارسا للعلمانية على حكومات مدنية لفترات قصيرة في السلطة وقام بثلاثة انقلابات وأجبر حكومة رابعة على الاستقالة.
وبتأييد شعبي كبحت حكومة أردوغان جماح الجيش خلال السنوات العشر الماضية وبصفة اساسية من خلال قضايا قانونية ادت الى سجن عشرات الضباط الكبار لأدوارهم المزعومة في مؤامرات ضد أردوغان ومن سبقوه.
وخلال معظم النصف الأول من ولايته في السلطة ركز أردوغان على الإصلاحات السياسية التي تستهدف دفع تركيا نحو المعايير السياسية للاتحاد الأوروبي. وحصل الأكراد على حقوقهم الثقافية وتمتعت الأقليات الدينية بمزيد من الحريات وتم توسيع نطاق الخطاب العام.
ورغم الاضطرابات في الأيام الأخيرة فإن أردوغان لا يزال أكثر الساسة شعبية في تركيا ولا يوجد له منافسون واضحون سواء في الحزب الحاكم أو في المعارضة.
غياب المعارضة
وقال مصطفى أكيول مؤلف كتاب (إسلام بلا تطرف) ان «العلمانيين يخشون الان من ان أردوغان يريد تغيير الأوضاع لأنه لا يواجه تحديات».
من جهته ذكر قدري جورسيل وهو كاتب عمود بصحيفة ميليت ورئيس اللجنة التركية بمعهد الصحافة الدولي إن «أي حكومة ليس لها معارضة تقيم توازناً ولا صحافة حرة تراقبها يمكن بسهولة ان تخرج عن نطاق السيطرة».
فقد الثقة
في الاحتجاج الذي نظم يوم السبت قال مدين، وهو طبيب عمره 30 عاماً وصف نفسه بأنه مسلم ملتزم، إنّه فقد ثقته في أردوغان على مر السنين. وأردف، وهو يمتنع عن ذكر اسمه بالكامل خوفا من أي اجراء انتقامي في العمل: «انني أؤدي الصلاة وأصوم وفكرت في التصويت لصالح أردوغان في الماضي لأنني اعتقدت انه سيساعد المقهورين...». وأضاف «لكن الآن بعد ان تولى السلطة أصبح أردوغان هو من يمارس القهر. انه يستغل مشاعرنا الدينية ليستفيد منها. لقد أصبح متعجرفاً وهذه خطيئة».