بعد سجال امتدّ لتسعة أشهر، أقرّ مجلس النواب اللبناني، في جلسة استثنائية لم تستدعِ أكثر من 10 دقائق في 31 مايو الماضي، التمديد لنفسه 17 شهراً، أي لغاية 20 نوفمبر 2014، إلا أن الصورة قد تتبدّل كلياً إذا ما جرت رياح المجلس الدستوري بما لا تشتهي سفن الممدّدين، وتمّ إبطال قانون التمديد.

وفي حين طوى التمديد سجالاً امتد لتسعة أشهر، فإن الإجماع الذي حظي به لم يخرقه سوى رئيس الجمهورية ميشال سليمان والنائب ميشال عون، إذ قالا «لا» للتمديد، ولو أن حساباتهما متباعدة، لا بل متضاربة.. «التيار الوطني الحر» أعلن أنه سيطعن بالتمديد على خلفية عدم جواز تمديد أي وكالة، سواء كانت نيابية أو غير نيابية، من دون العودة الى الموكل الذي هو الشعب اللبناني، وضرورة الحفاظ على مبدأ تداول السلطة الذي هو مبدأ أساسي في الأنظمة الديمقراطية.

أما الرئيس سليمان، فطعن بالتمديد لمجلس النواب، أمام المجلس الدستوري، لكونه تجاوز بضعة أشهر، وحتى لا يقال إنه يوافق بطريقة غير مباشرة على التمديد له، إذ تنتهي ولايته في 25 مايو 2014. علماً أن قانون التمديد سلك طريقه إلى الجريدة الرسمية، بعدما وقّعه رئيس الجمهورية، وقبل أن يطعن به أمام المجلس الدستوري كأحد الخيارات المتاحة أمامه. وكان سليمان ردّ على منتقدي توقيعه للقانون قبل الطعن به، بإحالتهم إلى المادة 19 من الدستور، التي لا تجيز التقدم بمراجعة دستورية بأي قانون قبل إقراره أولاً. مع الإشارة الى أنه حصر طعنه في الجانب الدستوري، فاعتبر أن المجلس النيابي تجاوز الوكالة الممنوحة إليه من الشعب. كما رأى أن التحجّج بالظروف الاستثنائية وبالوضع الأمني غير الملائم ليسا كافيين ما دامت الحكومة هي المسؤولة عن الأمن، وهي أعدّت العدّة للانتخابات.

وفي حين قطع مجلس النواب، بتمديده لنفسه، نصف الطريق، في انتظار ما يقرّره المجلس الدستوري، فقد قيل إن إسراع رئيس الجمهورية هدفه تعجيل تقديم الطعن، ولكن قيل أيضاً إن المجلس الدستوري يستحيل أن يقبل هذا الطعن، الذي سيرفق بطعن موازِ من قبل «التيار الوطني الحر»، وذلك لصعوبة تأييده من قبل سبعة أعضاء من العشرة، في ظل التركيبة السياسية والطائفية المتحكّمة بالمجلس.

وكان سليمان حرص، غداة جلسة التمديد، على اتباع إيقاع سريع في استكمال إجراءات الطعن بعدما تجنب خيار المواجهة المباشرة مع المجلس بإسقاطه خيار ردّ القانون. وفي كلمة وجّهها الى اللبنانيين، أول من أمس، عرض الخيارات الدستورية التي كانت متاحة أمامه والتي أدّت الى قراره بتوقيع قانون التمديد ومن ثم الطعن فيه.

ولأن الرئيس سليمان ساوره شك في «أيادٍ سياسية» قد تعبث بـ«الدستوري»، فإنه أمل من المجلس الدستوري اتخاذ قرار «بكل تجرّد، وبأقصى سرعة»، وتوجّه إلى الجميع بالدعوة إلى أن يسمحوا لأعضاء المجلس أن يكونوا ناكري جميل السلطات التي عيّنتهم. وهذا هو الأمل بالمجلس الدستوري، وأن يعيش مع نفسه ساعة تخلّ عن المحيط السياسي والطائفي طمعاً في أن يمثل قدوة للمجالس الدستورية القضائية المستقلة عن واقعها، والتي تنطق بشريعة الدستور لا بشرائع الغاب السياسية، وفق قول مصدر مقرّب من رئاسة الجمهورية لـ«البيان».

وإذ يعوّل البعض، ومنهم رئيس الجمهورية، على المجلس الدستوري، لإعادة الأمور الى نصابها، أعربت مصادر سياسية مطلعة عن أملها بحكمة المجلس المذكور، إلا إذا عادت السياسة ودخلت إلى غرفه من بابها العريض، لاسيما أن السوابق لا تبشّر بالخير. واستناداً الى أوساط قريبة منه، سواء قبل المجلس الدستوري الطعن أم لم يقبله، فإن رئيس الجمهورية أقدم على ما يرضي ضميره ومسؤولياته الوطنية في الحفاظ على القوانين والاستحقاقات الدستورية.

وتسارعت الخطوات الآيلة الى الطعن بقانون التمديد الذي أقرّه مجلس النواب، فجرى نشره أول من أمس في ملحق للجريدة الرسمية وتسلّم المجلس الدستوري مراجعة الطعن التي قدّمها الرئيس سليمان.

وعليه، بات طرفا الطعن، أي رئاسة الجمهورية ونواب «التيار الوطني الحر»، ومعهما أكثر من 60 في المئة من اللبنانيين المعارضين للتمديد، كما أكدت استطلاعات الرأي، في انتظار كلمة الفصل من المجلس الدستوري، والذي يواجه عامل الوقت، في مدة قصيرة فاصلة بين نشر القانون في الجريدة الرسمية ونهاية ولاية مجلس النواب في 20 من الشهر الجاري، لإنجاز قراره في أقل من أسبوعين قبل انقضاء الولاية الحالية، والفسح في المجال، إذا قرّر إبطاله، أمام مخرج دستوري سريع يستبق 20 يونيو. علماً أن المجلس سيكون كذلك أمام أحد خيارين: التسليم بحيثيات تمديد الولاية ودستوريتها، أو إبطال قانون يضع البلاد مجدّداً على طريق الفراغ.