وجهت المحكمة الدستورية العليا في مصر أمس لطمة قوية للإخوان المسلمين، بعدما قضت بعدم دستورية قانون انتخاب مجلس الشورى وكذلك عدم دستورية المادة 79 من قانون تشكيل الجمعية التأسيسية، كما قضى الحكم أيضًا ببطلان قانون الطوارئ وحل الثلث الفردي من مقاعد الشورى مع استمرار المجلس في عمله لحين انتخاب مجلس للنواب، في وقت أكدت الرئاسة المصرية أن مجلس الشورى مستمر في ممارسة سلطاته التشريعية الكاملة وأن الدستور الذي استفتي عليه الشعب واجب الاحترام.

واحتشد مئات من عناصر الأمن معزَّزة بالآليات الخفيفة حول مقر المحكمة الدستورية العليا في القاهرة عند بدء جلستها صباح أمس. وأعلنت المحكمة أن بطلان الثلث الفردي في انتخابات مجلس الشورى تأسس على عدم دستورية ترشُّح المنتمين لأحزاب سياسية على مقاعد مخصصة للمستقلين غير المنتمين للأحزاب.

وأوضحت المحكمة في حيثيات الحُكم الذي أصدرته ببطلان مجلس الشورى (الغرفة الثانية من البرلمان المصري)، أن «بطلان الثلث الفردي من المجلس تأسس على عدم دستورية ما تضمنه نص الفقرة الأولى من المادة 8 من القانون رقم 120 لسنة 1980 والمستبدلة بالمرسوم بالقانون 109 لسنة 2011، من إطلاق الحق في التقدم بطلب الترشيح لعضوية مجلس الشورى في الدوائر المخصصة للانتخابات بالنظام الفردي للمنتمين للأحزاب السياسية إلى جانب المستقلين غير المنتمين لتلك الأحزاب».

وأضافت المحكمة في حيثيات حكمها أنه «بذلك يكون قد أُتيح لكل من مرشحي الأحزاب السياسية إحدى فرصتين للفوز بعضوية مجلس الشورى، إحداهما بوسيلة الترشيح بالقوائم الحزبية المغلقة، والثانية عن طريق الترشيح بالنظام الفردي، بينما جاءت الفرصة الوحيدة المتاحة أمام المرشحين المستقلين غير المنتمين لتلك الأحزاب مقصورة على نسبة الثلث المخصصة للانتخاب الفردي».

وتابعت المحكمة أن المنتمين لأحزاب سياسية «نافسوا الفرديين وزاحموهم على مقاعد الثلث الفردي المخصص لهم من خلال تسخير كافة الإمكانيات المتاحة لديهم، لدعمهم، وهو ما لا يتوافر للمرشح المستقل غير المنتمي لأي حزب». وأكدت المحكمة الدستورية أن «القضاء بعدم دستورية النصوص المطعون فيها يستتبعه بطلان المجلس الذي انتخب على أساسها منذ تكوينه».

بطلان الشورى

واستطردت المحكمة أن بطلان مجلس الشورى «يتوقف أثره بمقتضى نص المادة 230 من الدستور الجديد الذي أُقر في 25 ديسمبر 2012، والتي تنص على أن يتولى مجلس الشورى القائم بتشكيله الحالي سلطة التشريع كاملة من تاريخ العمل بالدستور حتى انعقاد مجلس النواب الجديد، وتنتقل إلى مجلس النواب، فور انتخابه، السلطة التشريعية كاملة».

وتابعت المحكمة أنه بناءً على ما تقدم فإن «تحديد موعد انعقاد مجلس النواب الجديد يمثِّل تاريخاً لإعمال أثر هذا الحكم (بطلان مجلس الشورى)».

كما قضت المحكمة برئاسة المستشار ماهر البحيري ببطلان تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور التي قامت بوضع مشروع الدستور الجديد والذي تم إقراره في ديسمبر 2012. كما قضت بعدم دستورية قانون الطوارئ فيما تضمنه من تدابير استثنائية خولها للرئيس بشأن حالة الطوارئ.

بيان رئاسي

وفي أول رد رسمي على قرارات المحكمة الدستورية، أكدت الرئاسة المصرية أن «الدستور الذي استفتي عليه الشعب وحاز الأغلبية هو المرجع الذي يحرص الجميع على العمل به والدفاع عنه، وحمايته واحترامه واجب على جميع سلطات الدولة».

وقالت الرئاسة في بيان تعقيباً على حكم «الدستورية» الصادر ببطلان قانون انتخابات مجلس الشورى: «إن مجلس الشورى مستمر في ممارسة دوره التشريعي كاملاً لحين استكمال مؤسسات الدولة وانتقال سلطة التشريع لمجلس النواب الجديد».

وختم البيان بأن «رئيس الجمهورية (محمد مرسي) هو الحَكم بين السلطات ويمارس مسؤوليته الدستورية والقانونية لضمان أن تقوم كل سلطة بدورها كاملاً وفقًا لأحكام الدستور».

يُشار إلى أن المحكمة كانت قضت في 14 يونيو 2012، ببطلان انتخاب الثلث الفردي لمجلس الشعب (الغرفة الأولى من البرلمان المصري والذي بات يعرف بمجلس النواب وفقاً للدستور الجديد).

وعقب تولي الرئيس المصري محمد مرسي الرئاسة رسمياً في 30 يونيو 2012، أصدر قراراً بأن يحصل مجلس الشورى على حق التشريع بشكل مؤقت إلى حين انتخاب مجلس نواب جديد، وهو ما أثار اضطرابات في البلاد على الصعيدين السياسي والقانوني إلى جانب تظاهرات عنيفة راح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى.

فوضى التصريحات

وتلا صدور أحكام المحكمة الدستورية العليا مجموعة تصريحات لفقهاء القانون والدستور والقضاء في مصر تؤشر إلى حالة من الفوضى والترجيحات والتفسيرات المتناقضة لنصوص الأحكام التي أقرتها «الدستورية» (وهي أعلى سلطة قضائية في مصر)، حيث أكد مصدر قضائي بالمحكمة الدستورية أن «مجلس الشوري مستمر في عمله التشريعي، وأن حيثيات الحكم جاء بها أن المجلس مستمر في ممارسة سلطة التشريع وفقا للمادة 230 من الدستور».

ونفى المصدر صحة الخبر الذي تداولته إحدى وكالات الأنباء المصرية على لسان رئيس المحكمة المستشار ماهر البحيري، من أن الحكم الصادر ببطلان قانون انتخابات مجلس الشورى يعني أن «المجلس مستمر دون سلطة التشريع».

وأكد المصدر أن «البحيري لم يدل بأي تصريحات عن الحكم لأي وسيلة إعلامية وأن جميع أعضاء المحكمة لا يعلقون على أحكامها في وسائل الإعلام مكتفين بمنطوق الحكم وحيثياته».

من جانبه، قال الفقيه الدستوري شوقي السيد: إن «المحكمة الدستورية العليا أقرت في حكمها بعدم دستورية قانون انتخابات مجلس الشورى، ببطلان تشكيل المجلس نظراً لعدم دستورية بعض نصوص القانون». وأضاف السيد: «إن قرار المحكمة إرجاء تنفيذ حل المجلس حتى انتخاب مجلس النواب، لإجبار الحكومة على إجراء انتخابات مجلس النواب، تفادياً لحدوث فراغ تشريعي».

أما أستاذ القانون الدستوري رأفت فودة فأكد أن «الحكم الصادر بعدم دستورية قانون معايير الجمعية التأسيسية لوضع الدستور لا يعنى أن الدستور باطل».

وأوضح فودة أن «القرار بعدم دستورية القانون الخاص بالجمعية لم يعد موجوداً، وأن الحكم المذكور لم يحدد النتائج المترتبة على بطلان الجمعية التأسيسية للدستور»، مضيفاً أن «الجمعية كانت باطلة وما صدر منها باطل، إلا أن الوضع تغير بعد استفتاء الشعب على الدستور».

المعارضة تهلل للحكم و«الجماعة» ترفضه

لاقى الحكم الذي أصدرته المحكمة الدستورية العليا ببطلان انتخابات مجلس الشورى والمعايير التي انتخبت على أساسها الجمعية التأسيسية التي أعدت الدستور الجديد، رفضاً من جانب جماعة الإخوان الحاكمة، بينما رحبت به في المقابل القوى الثورية وقوى المعارضة.

ورأى عضو جبهة الإنقاذ ورئيس حزب الكرامة المعارض محمد سامي أن حل مجلس الشورى، جزء من مشاهد الارتباك واختلاط الأوراق التي دفعت جماعة الإخوان، المصريين إليها،؛ لإصرارهم على المضي في مخططاتهم للتمكين، على حساب القانون.

وأضاف سامي: «أصبحنا أمام مشكلة وهي عدم معرفة لمن ستنتقل السلطة التشريعية»، لافتاً إلى أن «انتقال التشريع مع السلطة التنفيذية بقبضة مرسي هو أمر خطير، وعلى جماعة الإخوان أن تجد مخرجاً من هذه الأزمة التي زجت البلاد إليها».

بلطجة سياسية

أما المُعارض البارز رئيس حزب الدستور محمد البرادعي منسق جبهة الإنقاذ الوطني المعارضة، فقال عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»: «إن حكم المحكمة الدستورية العُليا الصادر ببطلان انتخابات مجلس الشورى وقانون الجمعية التأسيسية، جاء «نتيجة مُتوقعة للفهم المتدني والبلطجة السياسية التي أطاحت بمفهوم الشرعية وسيادة القانون، وأدت إلى ما نحن فيه من انهيار وتخبُّط».

ودعا البرادعي إلى «البدء بإجراءات توافق وطني حقيقي لوضع إطار دستوري وقانوني جديد يُنقذ البلاد، ويحفظ كيان الدولة ويخرجنا من المأزق الذي وضعنا أنفسنا فيه».

فيما علق عضو مجلس الشعب السابق حمدي الفخراني على قرار المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون الجمعية التأسيسية للدستور ومجلس الشورى قائلا: «إن الجمعية التأسيسية جمعية باطلة، وأصدرت دستورًا باطلًا ومعيبًا، لذلك تم استفتاء الشعب على شيء باطل، ولابد من تشكيل تأسيسية جديدة».

انتصار تاريخي

وقابل الحضور بالمؤتمر القومي العربي الرابع والعشرين المنعقد حالياً في أحد فنادق القاهرة قرارات المحكمة الدستورية العليا بالتصفيق الحاد.

وقال الإعلامي مصطفى بكرى في تصريحات على هامش المؤتمر إن «هذا الحكم تاريخي ونهائي وهو يوم عظيم من أيام القضاء، منطلقا من نفس الحكم الصادر على مجلس الشعب»، واصفا كل ما صدر عن مجلس الشورى من قوانين بـ «الباطل».

وطالب بكري بإجراء انتخابات جديدة للجمعية التأسيسية للدستور والعودة للإعلان الدستوري الذي أصدره المجلس العسكري لتسيير الأمور، موضحاً أن من يمتلك الحق القانوني لتشكيل تأسيسية الدستور هو المجلس العسكري.

وفي المؤتمر ذاته، قال نائب رئيس الوزراء السابق يحيى الجمل إن حكم المحكمة الدستورية «يمثل ثورة جديدة». وأضاف الجمل «أخشى أن من يحكمون الآن سيعصفون بالمحكمة الدستورية ويقيمون بالتدبير لتلك المحكمة».

أما رئيس حزب الإصلاح والتنمية محمد أنور عصمت السادات فعلّق على الحكم بقوله: «جاء الحكم لينتصر لإرادة الشعب المصري الذي لم يراع مطالبه أو يعبر عنه مجلس الشورى ويؤكد أيضا للجميع أن الدستور الحالي الذي تم وضعه من خلال الجمعية التأسيسية للدستور يشوبه الكثير من المساوئ وأوجه العوار مع احترامنا للنتيجة النهائية للاستفتاء عليه».

وأكد السادات ضرورة أن يتوقف مجلس الشورى فوراً عن التشريع وتتم مراجعة كافة القوانين التي صدرت من خلاله بعد هذا الحكم الذي أكد أن وجود مجلس الشورى يعد باطلا في الوقت الحالي وأن استمرار عمله لحين انعقاد مجلس النواب هو مجرد وضع مؤقت قضى به الظرف الاستثنائي الذي تمر به البلاد.

موقف «الإخوان»

من جانبها رفضت جماعة الإخوان وحزبها السياسي «الحرية والعدالة» الحكم، إذ استبعد نائب رئيس حزب الحرية والعدالة عصام العريان صدور قرار رئاسي بانتخابات تكميلية، مطالبًا مجلس الشورى بالعمل على الانتهاء من قانون الانتخابات.

وقال العريان: «إن المحكمة الدستورية العليا أبقت الأمور على ما هي عليه، وحملت كل الجهات مسؤوليتها للسير إلى انتخابات لمجلس النواب الجديد وفق أحكام الدستور الذى أقره الشعب بإرادته الحرة»، على حد قوله. مضيفاً: «إن مجلس الشورى بتشكيله الحالي يقوم وسيقوم بمهامه التشريعية لحين انعقاد مجلس النواب الجديد».

كما تتالت التصريحات التي تخفف من وطأة حكم المحكمة الدستورية وتستخف بآثاره العملية من قبل الحركات المتحالفة مع «الإخوان»، حيث صدرت بيانات متعاقبة من أحزاب «النور» و«الوسط» وتيارات سلفية وأصولية أخرى.