يعكس التصعيد في التصريحات المتبادلة ما بين واشنطن وموسكو على مدار الأيام الماضية حول الوضع في سوريا، جانباً من سخونة الحوار السياسي والدبلوماسي بالغرف المغلقة وعبر قنوات الاتصال بين الولايات المتحدة وروسيا، لاسيما المتعلق بفرض منطقة حظر طيران فوق الأراضي السورية ومسألة تزويد المعارضة السورية بالسلاح. وبالنسبة للكثيرين في واشنطن، فإن الإدارة الأميركية لم تدخر جهداً في إدخال عناصر متوالية بهدف الضغط خلال مشاوراتها مع الروس للإعداد لـ«جنيف2»، مثل قيام عضو الكونغرس البارز السيناتور جون ماكين بالدخول خلسة للداخل السوري ولقائه مع المعارضة المسلحة السورية على الارض بالتزامن مع إعلان الاتحاد الأوروبي رفع حظر تصدير السلاح للمعارضة السورية وهو ما عارضته المانيا لاحقاً ثم تصريحات الناطق باسم البيت الأبيض جاي كارني بـأن «جميع الخيارات المتاحة ما زالت مطروحة على الطاولة فيما يتعلق بسياسة الولايات المتحدة بشأن سوريا. ويشمل هذا احتمال إقامة منطقة حظر للطيران». وهو الأمر الذي سارعت موسكو بالرد عليه، واصفة تصريحات أميركا عن فرض حظر طيران في سوريا بأنها تصريحات تثير الشكوك في جدية نوايا واشنطن لإيجاد حل سياسي.
هذا السجّال الإعلامي بدأ مع الإعلان عن قيام جون ماكين بزيارة مناطق المعارضة ولقائه مع عدد من القادة والمقاتلين، وهو الامر الذي ما كان ليتم دون معرفة الادارة الأميركية مسبقا، وبالتالي ينسف ما تردد في واشنطن حول قنطه ومعارضته لسياسة أوباما في سوريا، في الوقت الذي كان جون كيري ينهي اجتماعه مع نظيره الروسي بالاتفاق علي اجتماع مسؤولي الدولتين وبمشاركة أممية في الخامس من يونيو الجاري في جنيف لبحث تحضير المؤتمر الدولي حول سوريا.
تهديد الصواريخ
وأخذت واشنطن إعلان الرئيس السوري بشار الاسد عن وصول الشحنة الاولى من منظومة الصواريخ الروسية المعروفة باسم منظومة «إس 300» المضادة للطائرات، على محمل الجد. وحسب مصادر «البيان» في واشنطن، فإن موسكو أرادت بإعلانها التأكيد للجانب الأميركي بأنه لا بديل عن الحل السياسي عبر التفاوض في سوريا وأن الرئيس الاسد مستمر حتى نهاية فترة رئاسته الرسمية في 2014، وأن الخيار الآخر مؤلم لأميركا وحلفائها، لأن التصعيد قد يجر المنطقة كلها إلى حرب اقليمية طائفية لا تحمد عقباها، ناهيك عن تذكير روسيا الأميركيين بأن للروس قاعدة عسكرية بحرية في طرطوس هي منفذهم الوحيد إلى المتوسط.
أما عن موقف وزارة الدفاع الاميركية «البنتاغون»، فإن نفس المصدر أكد وهو مستشار عسكري سابق، وجود شكوك قوية لدى «البنتاغون» تجاه أي تدخل عسكري اميركي ولو جواً، فـ«البنتاغون» والتي دوما لديها خططها بغض النظر عن موقفها في تنفيذها، يدرك مخاطر التدخل لأسباب ، عديدة:، وفي مقدمتها ان التدخل لن يحمي المدنيين، لأن المواجهة مع سوريا لن تكون بين جيشين بل أشبه بحرب عصابات تجر وترشح المنطقة لحرب اقليمية طائفية تضم الشيعة والعلويين والسنة والأكراد وجماعات مسلحة أخرى، ناهيك عن تعريض مليوني مسيحي سوري للخطر، ودخول المنطقة في حالة من عدم الاستقرار لا يمكن تحديد مداها الزمني.
عواقب وخيمة
إن تقييم «البنتاغون» لأي تدخل بما فيه ضرب المطارات، قد ينتج عنه عواقب وخيمة، لاسيما على الحلفاء وعلى مواقع عسكرية أميركية في تركيا. كما ان اندلاع المواجهات وما يطلق عليه «حرب العصابات» سيستلزم إنزالاً على الارض وهو الامر المرفوض أميركياً.
تزويد المعارضة السورية بالسلاح قد يعرض المصالح الأميركية للخطر في حال وصولها إلى أيدي متطرفين محسوبين علي تنظيم القاعدة، وغيرها من المنظمات المتطرفة، لذا فالولايات المتحدة مازالت متحفظة حول نوعية السلاح الذي يصل للمعارضة، لاسيما المضادة للطائرات خشية استخدامها لاحقاً ضد الولايات المتحدة أو حلفائها.
قلق أميركي
يتواصل القلق الأميركي تجاه مسألة وصول منظومة الدفاع الروسية ومسألة تسليح المعارضة السورية، لاسيما في أروقة الكونغرس، وكان السيناتور الجمهوري جون ماكين قال في أعقاب زيارته لسوريا، إنه على يقين بأن الولايات المتحدة يمكن ان ترسل أسلحة إلى المقاتلين في سوريا بطريقة تمنع وقوعها في الأيدي الخطأ. جدير بالذكر ان ماكين سبق وأن أصدر تصريحات مشابهة لدى زيارته للمعارضة الليبية قبيل التدخل العسكري الذي اطاح بالقذافي، لكن وجدت الاسلحة التي تم تزويد بعض فصائل المعارضة بها طريقها إلى متشددين، وتوجد حاليا تحريات حول ضلوع نفس هذه الفصائل في حادث مقتل السفير الأميركي في بنغازي.