من النادر العثور على مثال لقمّة أو اجتماع أو مفاوضات لعملية سياسية تكون نتائج النجاح فيها، بحسب التوافقات المطروحة مسبقاً، هي ذات النتائج التي ستظهر في حال فشل الاستحقاق. لعل هذا ما ينطبق على مؤتمر «جنيف2» المزمع عقده منتصف الشهر الجاري.
لا تشير التطورات المرافقة لتحضيرات الانعقاد بأن الوضع في سوريا سيشهد معادلات جديدة على غير ما هي عليه الآن، بل إن هناك العديد من المؤشرات التي ترجح أن ما سيسفر عن المؤتمر في حال عُقد يراد منه تثبيت الجمود وليس تحريكه.
إضافة إلى التسليم بأمر واقع ينتج عنه وجود سوريّتين، وهي وصفة لتسيير القوى من الطرفين وفقاً لـ«جدول أعمال» تضعه الدول الكبرى حتى لو برزت خلافات فيما بينهم على التفاصيل، مثلاً رحيل بشار الأسد مع نهاية ولايته الحالية عام 2014 أو ترؤسه للنظام لولاية أخرى تدخل ضمن التفاصيل، بينما هي لدى السوريين أساس كل شيء.
تسليح بدون خطط
من أبرز المستجدات على الملف السوري خلال الأيام القليلة الماضية كانت سماح الاتحاد الأوروبي لدوله الأعضاء بتوريد أسلحة دفاعية للمعارضة المسلحة اعتباراً من أول أغسطس المقبل.
بعيداً عن التضخيم الإعلامي، لا تبدو خطوة السماح بالتسليح التي تتحمّس لها كل من بريطانيا وفرنسا تأتي في سياق قرار غربي بالمساعدة في إسقاط نظام الأسد، حيث شددت الدولتان على أن ليس لديهما «الخطط الفورية» لتزويد المعارضة بأسلحة دفاعية، كما أن معاييرهما ليست سهلة بالنسبة للمعارضة، فشرط وصول السلاح إلى «الأيدي الصحيحة» ليست سوى محاولة ستأخذ وقتاً طويلاً- ربما سنتين- لترجيح كفة ما تعرف بـ«القوى المعتدلة» المقاتلة ضد النظام على «القوى المتطرفة» التي تشكل غالبية الفصائل المسلّحة بحسب المقاربات الغربية لمعاني التطرف.
وبالتالي، فإن أمام الفصائل التي ستتلقى السلاح مهام عديدة، «من بينها» القتال ضد النظام. ويبدو تعبير «أسلحة دفاعية» هو تحديد مبكّر لوظيفة هذا التسليح، وهي المساهمة في احتفاظ المعارضة المسلحة بالمناطق التي تسيطر عليها، ورسم خطوط فصل واضحة بين مناطق المعارضة والنظام تمهيداً لظهور إدارتين على الأرض، نظام الأسد في المناطق التي يسيطر عليها بما فيها دمشق.
إضافة إلى مناطق المعارضة. لكن مثل هاتين المنطقتين لن يكون بالإمكان العمل على جعلهما أمراً واقعاً من دون سيطرة كل طرف على جيوب الطرف الآخر في منطقته، وسيأخذ وقتاً طويلاً يفوق جرأة مؤتمر مثل «جنيف2» على الإعلان أو التصريح بها.
حظر جوي
مثل هذا السيناريو قد يتطلب حظراً جوياً مريحاً للدول الغربية على مناطق سيطرة المعارضة، وهذا لن يتم من دون إلزام روسيا للنظام بعدم شن هجمات جوية على المناطق الواقعة خارج سيطرته على الأرض. ويكون المجال متاحاً أمام الغرب لشن غارات جوية بلا طيّار على مناطق سيطرة جبهة النصرة وأحرار الشام وغيرها من الألوية التي تدعو إلى واحدة من الصيغ المتشددة للحكم الإسلامي.
في حال دخول مثل هذا السيناريو حيز التطبيق، فإن الكم الأكبر من الأسلحة التي سيتلقاها الجيش الحر المنضوي تحت قيادة اللواء سليم ادريس ستذهب لمجهودات القتال ضد الفصائل المعارضة لسلطة ادريس، وعليه نكون أمام معادلة «نظام ومعارضة» في المناطق المحررة.
ما هو مصير الأسد في كل هذا؟. قد يتحدد خلال «جنيف2» ملامح سوريا جديدة بإدارتين - لن يتم الإعلان عنهما في البيان الختامي بطبيعة الحال-، والأسد أو نظامه سيديران أحد هاتين الإدارتين. ولكي لا يكون التوقع ضرباً من الخيال، فإن الأسد أعلن إصراره على الترشح عام 2014. السؤال: هل ستشارك المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش الحر والقوات الكردية في هذا الاستفتاء أو هذه الانتخابات سواء بالتصويت «نعم» أو «لا»؟.
يبدو الأمر محالاً، وبما أن أكثر من نصف السكان هم في المناطق الواقعة تحت سيطرة الثوار، فإنه سيكون متاحاً لأقل من نصف السكان في المناطق الأخرى بالتصويت. انتخابات النظام ستجرى في مناطق سيطرته، وربما سيستمر مترنحاً بهذا الشكل حتى نهاية ولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2016 على أقل تقدير، حيث ستكون المناطق المحررة أزالت شيئاً من مظاهر الفوضى وأنهت حربها الداخلية الخاصة، وظهرت فيها سلطة حقيقية مليئة بـ«الأيدي الصحيحة».
