من الأساس ولدت فكرة المؤتمر الدولي بشأن سوريا من حاجة أطرافها، خاصة الدولية، إلى غطاء لهروبها من المسؤولية. واشنطن ومعها أوروبا، تحجب به عزوفها عن التدخل الفعّال في الأزمة. وموسكو تتلطّى به لتسويغ مواصلة وقوفها وراء نزيف الحلّ الأمني. كلاهما متورّط. وكلاهما يدرك أن استمرار الحال على ما هو عليه، متعذر. وبذات الوقت، لا يقوى أي منهما على بلوغ المخرج الذي يرغبه. فكان التوافق على المؤتمر الذي ما زال أمر انعقاده متعثراً، برغم الجهود والتحركات المكثفة التي بذلت في هذا الخصوص.
مما يشير مسبقاً إلى هشاشة طينته وسرعة عطبها، كآلية. ناهيك بقدرتها على إنتاج الحلّ المنشود. وما شهدته الأيام القليلة الماضية، جاء ليؤكد بأن تركيب طاولة التفاوض جرى على طريقة «التلزيق » بصمغ، قد لا يقوى على الصمود أمام ضغوط اللعب والتلاعب بالساحة السورية.
تسليح
فجأة وعشية ما بدا أنه التحضيرات الأخيرة لانعقاد المؤتمر، يلوّح الأوروبيون، خاصة فرنسا وبريطانيا، بتسليح المعارضة؛ من خلال عدم التجديد لحظر تزويد أي طرف سوري بالسلاح ــ الذي ينتهي مفعوله غداً الجمعة. التبرير، أن مثل هذا الاستعداد من شأنه الضغط على سوريا وربما روسيا عشية المؤتمر. واللافت أن واشنطن الرافضة على طول الخط لتزويد المعارضة السورية بأي سلاح «فتاك»، سارعت إلى احتضان التلويح الأوروبي بخيار التسليح. صحت على أهميته «كرافعة مهمة، تبعث برسالة قوية إلى الأسد»، على حدّ ما قال الناطق الرسمي في الخارجية الأميركية، باتريك فانتريل. لكن شرط أن يصدر عن غيرها. فهي ما تتعفف عن التسليح حيث المبدأ، كما دأبت تردّد منذ البداية.
موسكو من جانبها وعلى عادتها، عمدت إلى الردّ بالمثل من خلال التلويح بتزويد سوريا بشبكة دفاع جوي متقدمة «إس ـ 300». وفي الأسابيع الأخيرة رعت وعزّزت احتدام القتال، وبما يكفل ضمان توازن مريح لها على الأرض، عند الجلوس على طاولة المفاوضات. فهي حريصة على مواصلة الاحتفاظ بالمبادرة في النزاع السوري، ميدانياً ودبلوماسياً. إسرائيل رأت في تلويح موسكو فرصة أخرى لتدخل مجدّداً على الخط وتهدّد «بضرب هذه الشبكة لو وصلت إلى سوريا»، كما قال وزير دفاعها.
جدل
بموازاة هذا التصعيد التسليحي، احتدم الجدل الأميركي حول الموضوع. الفريق الدافع باتجاه التسليح وإقامة منطقة حظر جوي وحتى قصف الدفاعات الجوية السورية، أخذ؛ خاصة بعد التطورات الميدانية الأخيرة، شحنة وازنة من الزخم؛ بانضمام رموز محسوبة على خندق الليبراليين إلى موقع القوى المحافظة التي تدفع نحو هذا الخيار.
وكانت زيارة السيناتور جون ماكين الأخيرة إلى شمال سوريا وما لاقته من أضواء في واشنطن، الخطوة الأبرز في هذا الخصوص. لكن الإدارة ما زالت مرابطة عند عزوفها، الذي يقول بعض المراقبين إنها قد لا تقوى على الاحتفاظ به طويلاً. خاصة إذا «تفركشت» مساعي انعقاد المؤتمر، فضلاً عن عجزه على التوصل إلى صيغة تبدو لكثير من المتابعين في واشنطن وكأنها أقرب إلى المعجزة، في زمن لا مكان فيه للمعجزات.
بصرف النظر عما إذا تمكن الثنائي الروسي ــ الأميركي من عقد المؤتمر أو تمكن المؤتمر من اجتراح المخرج المنشود، يبقى أن اللاعبين الكبار في الأزمة هم أقرب إلى المتلاعبين بالساحة السورية، الضحية للخبث الغربي والاستئساد الروسي.
