حفل الأسبوع الماضي في لبنان بأحداث مفصليّة ألقت بظلالها الثقيلة على الساحة الداخلية، بدءاً من المواقف غير المسبوقة التي أطلقها الرئيس ميشال سليمان بشأن الانخراط اللبناني في الأزمة السورية، مروراً بإعلان الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله إطلاق معركة ما بعد القصير، ووصولاً إلى عودة الوضع الأمني ليتصدّر واجهة الأحداث من بوّابة الضاحية الجنوبية لبيروت، والتي استفاقت أول من أمس على مفاجأة سقوط صاروخَي غراد عشوائيين على معرض للسيارات وعلى شرفة منزل في محلّة الشياح.

ومن الضاحية التي وصلت إليها الرسالة المتفجّرة، مروراً بمدينة صيدا التي ما إن تنجو من قطوع حتى تدخل في آخر، وصولاً إلى طرابلس النازفة، أجمعت مصادر سياسية على اعتبار أن الصاروخين العشوائيين على الضاحية، غداة خطاب الأمين العام لحزب الله نقلا البلد الى مرحلة جديدة وخطيرة، وأرفقت قراءاتها بإطلاق التحذيرات من وجود مشروع فتنة متنقّل، تحت سقف الصراع المحتدم في سوريا، إن لم يتم ضبط الأمور أمنياً وسياسياً في أسرع وقت.

الرسالة وصلت

هي «الرسالة وصلت»، بحسب المسؤولين الذين تفقدوا موقعَي سقوط الصاروخين، فيما ربط البعض بين هذا الحدث الأمني وبين خطاب نصرالله، الذي دعا فيه لـ«تحييد» الداخل اللبناني على قاعدة «لنتقاتل في سوريا لا في لبنان».

أما حزب الله، فاعتبر أن إطلاق الصاروخين وانفجارهما في الضاحية «رسالة ردّ وصلت بوضوح»، وبالتالي، وبحسب مصادره، فإن شيئاً لن يغيّر من قناعات الحزب ولا من سياساته الخارجية والداخلية، لا سيما في هذه المرحلة البالغة الحساسية، والتي يتمّ خلالها عزل الحزب إقليمياً تمهيداً لتوجيه ضربة قاضية ليس فقط له، بل للمحور الإقليمي الذي يعمل من خلاله.

وفيما لا تزال ملابسات حادثة إطلاق الصاروخين غير واضحة، ورغم أن هناك من يرى بأن الصواريخ قد لا تكون سورية، وربما تحمل بصمات محلية أرادت الدخول على خط الاحتقان الداخلي لإشعال النار اللبنانية النائمة تحت رماد الحرب في سوريا، أشارت مصادر في قوى 14 آذار لـ«البيان» إلى صعوبة فصل ما جرى عن خطاب نصرالله، والذي أعلن فيه بداية مرحلة جديدة عنوانها «حماية ظهر المقاومة»، ومغزاها انغماس الحزب في الحرب السورية.

وأياً يكن الفاعل، رجّحت المصادر نفسها أن هناك من أراد التحذير بأن معركة «حماية ظهر المقاومة» قد تجعل قلب المقاومة، أي الضاحية، منطقة مرشحة لدفع الثمن.

مواقف رئاسية

وفي ظلّ التحديات الكبيرة، الداخلية والإقليمية، لم تأتِ زيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان الى وزارة الدفاع هذا العام، عشية الذكرى الـ13 لتحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، كسابقاتها من الزيارات التي درج على القيام بها سنوياً، إذ أطلق مواقف رئاسية غير مسبوقة، وتحديداً في شأن الانخراط اللبناني في الأزمة السورية، أضيفت الى مواقف رؤساء الحكومات، لتصبح المعادلة: قرار رسمي برفض انخراط حزب الله في الصراع السوري، أو «الفتنة» على ما أسماها الرئيس سليمان، ورسالة الى كل المعنيين، مفادها ضرورة العودة الى سقف الدولة وقراراتها، ولا سيما «إعلان بعبدا» و«سياسة النأي بالنفس».

وفي موقف، هو الأول من نوعه منذ اعتلائه سدّة الرئاسة الأولى، أكد الرئيس سليمان أن «معاني المقاومة أعلى وأسمى من كل المعاني ومن أن تغرق في رمال الفتنة، إن في سوريا أو في لبنان، أكان ذلك لدى شقيق أو صديق»، وجدّد تأكيد نصائحه وتحذيراته من مغبّة الوقوع في المحظور تكراراً، فكانت له رسائل واضحة تتصل بـ«الاستراتيجية الدفاعية» وبـ«إعلان بعبدا» الذي أجمع أفرقاء الحوار عليه، داعياً الى توفير الغطاء السياسي للجيش «لأنه وحده هو خشبة الخلاص».

في المقابل، برزت كلمة حسن نصرالله، في عيد المقاومة يوم السبت الماضي، كمؤشر إلى المرحلة المقبلة، وطبيعة الصراع الآتي مع من أسماهم «التكفيريّين»، إذ ردّ على مواقف الرئيس سليمان من المقاومة وانتقاده حزب الله ضمناً، بسبب مشاركته في القتال في سوريا، بقوله إن سقوط سوريا سيؤدّي الى محاصرة حزب الله ودخول إسرائيل الى لبنان، و«لهذا نحن نقاتل في سوريا، ولن نسمح بسقوطها وبسيطرة التكفيريّين عليها، وسننتصر عليهم، وهذا وعد».

وأضاف: «سوريا هي ظهر المقاومة وسندها، ولن نقف مكتوفي الأيدي لنكشف ظهرنا أو ينكسر سندنا. فمن الغباء ترك المؤامرة تزحف إليك ولا تحرّك ساكناً».

غياب الاستراتيجية

وتعليقاً على كلام نصرالله، أشارت مصادر مقرّبة من رئاسة الجمهورية لـ«البيان» الى أن لبنان لا يتحمّل مواقف من هذا السقف المرتفع، في ظلّ غياب ما أسمته «الاستراتيجية العربية الموحّدة»، داعية الى ضرورة التروّي والإصرار على سياسة النأي بالنفس، من أجل حماية لبنان ومنعه من أن يتحوّل ساحة من جديد لكل هذا الصراع القائم في المنطقة.

وبحسب المصادر نفسها، فإن ما أعلنه الرئيس سليمان يعكس الحال السياسي المتدهور، سياسياً وأمنياً واجتماعياً، ويعبّر عن الهواجس التي باتت مسيطرة على غالبية اللبنانيين، ومنهم «جمهور المقاومة».

والرسائل التي أطلقها سليمان خلّفت صدىً، ترجمته مصادر قوى 14 آذار بالإعراب عن خشيتها من إقدام حزب الله على خطوات داخلية للتعمية على مشاركته في الأزمة السورية، بعدما اهتزّت قاعدته الشعبية نتيجة الانغماس في آتون الأزمة السورية وسقوط عدد كبير من القتلى في صفوفه.

 

تحذيرات واتهامات

اتهم مصدر قيادي في تيار المستقبل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله باستقدام الحرب السورية إلى لبنان، فدخول الحزب الميدان السوري بهذا الشكل الاستفزازي، بحسب تعبير المصدر، من شأنه أن يدفع بالتنظيمات السلفية والأحزاب اللبنانية الدائرة في فلكها إلى «الجهاد» انطلاقاً من الأراضي اللبنانية.

وبالتالي، فإن الساحة تحوّلت بعد خطاب نصرالله، السبت الماضي، إلى أرض خصبة للفتنة السنية- الشيعية التي تزداد حدّة استعارها يوماً بعد يوم.

ولفتت مصادر مراقبة إلى أن أحداً لم يلتزم بسياسة النأي بالنفس، على الرغم من الترحيب الكبير بها على الصعيدين المحلي والدولي، وإلى أن الجميع يعلم أن كل الجهات اللبنانية منخرطة في الحدث السوري منذ زمن بعيد، وبالتالي لم تعد تنفع هذه السياسة من الناحية العملية بشيء.

وحذّرت هذه المصادر من جهوزية من أجل انتقال الحرب السورية إلى الساحة اللبنانية بشكل كبير، على خلفية الصراع الطائفي الذي يكبر يوماً بعد آخر.