في خضم الحرب المستعرة بين السطات المصرية والقضاء في أعقاب الغبار الكثيف والجدل المحتدم الذي أثاره اقتراب مجلس الشورى من مناقشة قانون تعديلات السلطة القضائية، والذي ينظر عليه على نطاق واسع على أنّه محاولة من جماعة الإخوان المسلمين لإحكام قبضتها على مؤسسة القضاء، في الأثناء أرسل وزير الدولة للشؤون القانونية والمجالس النيابية المستشار حاتم بجاتو، رسائل طمأنة للقضاء، بأنّه لن تحدث مجزرة أو مذبحة للقضاة في عهده.
وانهمر سيل الانتقادات على رئيس مجلس الشورى المصري أحمد فهمي، في أعقاب الموافقة من حيث المبدأ على مناقشة قانون تعديلات السلطة القضائية المُثير للجدل، ما أجبره على إلقاء الكرة في ملعب المجلس الأعلى للقضاء، إذ دعا المجلس لاستئناف تحضيراته لعقد مؤتمر ثانٍ للعدالة، وهي التحضيرات التي كانت توقّفت أخيراً فور إعلان مجلس الشورى تحديه للقضاة بتخصيص جلسة 25 مايو لمناقشة قانون السلطة القضائية.
أخونة قضاء
من جهته، أكّد وكيل أول نادي القضاة المستشار عبدالله فتحي في تصريحات لـ«البيان»، رفض النادي كل الإجراءات الأخيرة، مشيراً إلى أنّهم «في طريقهم لاستكمال ما بدؤوه عبر الاستعانة بالمؤسسات الدولية، والتنديد بما يشهده قضاة مصر الآن في زمن الإخوان»، مشدّداً على أنّ «هناك مُحاولات قوية من قبل تنظيم الإخوان لعمل مذبحة قضاة جديدة من أجل أخونة المؤسسة القضائية».
ودان فتحي ما سماه «عناد» مجلس الشورى وإصراره على مناقشة قانون السلطة القضائية، على الرغم من تأكيد القضاة على مطلبهم الخاص بضرورة ألّا يُعرض القانون على مجلس الشورى ومناقشته في مجلس النواب المقبل.
رسائل طمأنة
وضمن محاولات الطمأنة التي ترسلها المؤسسات الرسمية إزاء الملف، شدّد وزير الدولة للشؤون القانونية والمجالس النيابية المستشار حاتم بجاتو، على أنّه لن تحدث مجزرة أو مذبحة للقضاة في عهده، متعهّداً بالتصدي لأي محاولة من هذا القبيل.
وأشار بجاتو إلى أنّ الأوضاع تسير الآن على طريقها الصحيح.
تصفية الحسابات بين القضاة و«الإخوان».. جدل مستمر
دخلت العلاقة بين قضاة مصر وبين جماعة الإخوان في «طريق مسدود»، وذلك في أعقاب إعلان مجلس الشورى إصراره على مناقشة قانون السلطة القضائية، ما عصف بآخر بادرة للتوافق بين القضاة وبين السلطة والجماعة، ما دفع كثيرون يُلمحون لإمكانية أن تشهد القاهرة حملات من «تصفية الحسابات» المتبادلة بين الطرفين.
وحاول نشطاء مُنتمون للتيار الإسلامي خلال الفترة الأخيرة ربط جملة من القرارات والأحكام القضائية التي صدرت مؤخراً، وتفسيرها على أنها درب من دروب تصفية الحسابات، فكان أبرزها قرار المحامي العام الأول لنيابات جنوب القاهرة الكلية المستشار طارق أبوزيد الخاص بإحالة أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين المحامي حسن صالح إلى محكمة الجنايات بتهمة إهانة المحكمة الدستورية العليا والتزوير في مُحرر إلكتروني واستعماله.
وكشف رئيس محكمة الجنايات المستشار محمد حنفي أن «القيادي الإخواني معرض للسجن ثلاث سنوات»، مؤكداً على أن قرار المحامي العام الأول لنيابات جنوب القاهرة الكلية بإحالة المتهمين لمحكمة الجنايات جاء وفقاً للقانون الذي ينص على أن إهانة مؤسسة قضائية بالدولة يتم تحويلها لمحكمة الجنايات كجريمة جنح استثناءً من القواعد العامة.
مضيفًا أن العقوبة المتوقعة في مثل هذه القضايا يصل الحبس فيها إذا ما ثبت تورط المتهم للحبس ثلاث سنوات والغرامة.
لكنه، أشار إلى أنه «لا صحة لما يتردد بشأن كون القضاة يحاولون الانتقام من جماعة الإخوان المسلمين على خلفية الأزمة الحالية بين القضاة ومؤسسة الرئاسة بسبب مشروع قانون السلطة القضائية»، مؤكدًا على أن «القاضي يلتزم بالقواعد التي ينص عليها القانون، ولا ينظر في مثل هذه الدعاوى لأمور سياسية أو مسائل أخرى بقدر ما ينظر لتطبيق القانون وإرساء العدل».
ومن أبرز القرارات القضائية الأخيرة قرار المحكمة الإدارية العليا بمصر بتأجيل دعوى قضائية مقامة من المحامي جمال صلاح ضد كل من الرئيس محمد مرسي، ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة الفريق عبد الفتاح السيسي تطالب بحل حزبي الحرية والعدالة وحزب النور السلفي، وذلك لتأسيسهما على أساس ديني مما يخالف القانون والدستور، إلى جلسة منتصف يونيو المقبل لاستعجال تقرير مفوضي الدولة.
من جانبه، قال رئيس مجلس الدولة الأسبق المستشار محمد حامد الجمل أن الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا بالتأجيل جاء لاستعجال تقرير مفوضي مجلس الدولة بخصوص ما جاء في الدعوى القضائية، مستنكراً ما أُثير بشأن إمكانية تعمد قضاة مصر اتخاذ قرارات صارمة ضد الحزبين؛ لتصفية الحسابات أو الانتقام من الإسلاميين، قائلاً: «القضاء المصري شامخ ومشهود له بالنزاهة ولا يمكن أن يقحم ذلك الصراع السياسي في عمله العادل».
