يتواصل غياب الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة عن أداء مهامه بسبب المرض ومعه تتزايد الأسئلة والإشاعات حول وضعه الصحي وحول الطريقة التي يتم بها تسيير هذه المرحلة علما أن عملية نقل السلطة لن تكون سهلة، قبل إجراء انتخابات رئاسية فى أبريل 2014، ولا يمكن تجاهل ما يحدث في الدول في محيط الجزائر مثل مالي وتونس وليبيا، وجميعها تواجه عودة للتمرد الإسلامي.
في وقت يتخوف البعض من عودة العمليات الإرهابية مجددا إلى الجزائر إذا ما برز خلاف حول الخليفة المرتقب للرئيس.. فيما امتدت المخاوف إلى أوروبا التي تخشى دخول الجزائر في اضطرابات سياسية خاصة أنها أكبر دولة أفريقية منتجة للنفط وتمد أوروبا بحوالي «خمس» استهلاكها من الغاز الطبيعي، وتتعاون مع الغرب في محاربة التطرف الإسلامي.
وخلال فترة الأسابيع الثلاثة التي غاب فيها الرئيس ثار جدل حول وضعه الصحي، في وقت أظهرت بعض الأحزاب والشخصيات انتهازية غير مسبوقة عندما طالبت بتفعيل المادة 88 من الدستور، وهو ما جعلنا نقترب من الوضع الذي سبق انتخابات 2004 عندما تركزت المعركة حول السعي إلى قطع الطريق على بوتفليقة بدل طرح بديل عنه، ولعل الذين استعجلوا تفعيل المادة 88 يعتقدون أن بقاء بوتفليقة بصحة جيدة يعني إنهاء حظوظهم في خلافته.
غموض سياسي
ما يزيد المشكلة تعقيدا هو أن السلطة نفسها تبدو وكأنها تتعمد الغموض من أجل الإطاحة بكثير من خصوم الرئيس، فخلال الأسابيع الثلاثة الماضية فقد كثير من هؤلاء اتزانهم، وإذا حدث وظهر زيف المعلومات التي تم تداولها عن تدهور حالة الرئيس فإن الفريق الذي يريد أن يخرج الرئيس من سباق الرئاسة يكون قد خسر نقاطا ثمينة.
كل هذا يوحي بأن المستقبل لا يزال رهين نفس الحسابات القديمة التي حكمت الانتخابات السابقة، وهو مؤشر لا يدعو إلى الاطمئنان لأن العالم تغير كثيرا.
وغياب بوتفليقة عن المشهد سيحرم الجزائر من آخر رجال الحرس القديم، الذى قاد هذا البلد منذ استقلاله في العام 1962 وكذلك الحرب الأهلية ضد الإسلاميين فى التسعينيات وصولا إلى فترة من الاستقرار ساعد على استمرارها عوائد النفط والغاز بفضل احتياطى الجزائر الهائل.
غير أن البعض توقع أن لا يغرق رحيل بوتفليقة الجزائر فى أزمة كبيرة، فهناك ما يمكن وصفه بـ «الدولة العميقة» بحق، ويتضمن ذلك جهاز المخابرات العسكرية، وهى من سيعهد إليها بإدارة المرحلة الانتقالية، خصوصا أن مؤسسة الدولة تحظى بثقة من الشعب الذى عانى من التشدد الأصولي ويخشى من عودة الصراع الدموي إلى البلاد.
مقاومة التغيير
وبدت الجزائر حالة استثنائية في مرحلة التحوّلات التي بدأت في تونس ومصر، بعدما نجح نظام الرئيس في نزع ألغام سياسية وأمنية عدّة كان يسير في حقلها، بدءاً بالتظاهرات الشعبية ذات الطابع الاقتصادي ـ الاجتماعي (2011)، مروراً بالأزمة المرافقة للانتخابات التشريعية (2012)، وصولاً إلى الهجوم الإرهابي على منشأة عين أميناس النفطية .
ولعلّ أسباباً عدّة أسهمت في مقاومة الجزائر لموجة التغيير السياسي الآتية من شرقها (مصر، وتونس، وليبيا) وموجة الاضطرابات الأمنية الآتية من جنوبها (مالي)، أبرزها نجاح الآلة الفولاذية للنظام: الجيش والاستخبارات في الإمساك بزمام الأمور.
خيارات
تقف الجزائر بين خيارات عدة: التجديد لبوتفليقة، إن كان فعلاً قادراً على إدارة البلاد، وهو أمر مستبعد، أو اختيار شخصية من العهد القديم، وبذلك فعلياً لا تكون البلاد استفادت مما يحصل من حولها. وثالث الخيارات هو العثور على شخصية جديدة تُشعر الجزائريين بالتغيير.. وهو ما ليس متاحاً بحسب كثيرين، ففي الجزائر نجح النظام في إفلاس المعارضة.