شارك طفل يناهز عمره عشرة اعوام مع ذويه الكبار بحفر مقابر جماعية في حدائق مدينة القصير بريف حمص، بغرض دفن موتاهم الذين قتلوا على خلفية حملة شرسة تقودها القوات النظامية وعناصر حزب الله على البلدة. وقد لا يرتقي المجهود البدني الذي يبذله الطفل بما يضاهي قدرة الرجال الكبار في حفر القبور، إلا أنه يشاركهم في شق الأرض ولو أميالاً ضئيلةً قبل سقوط قذيفة الطيران على رؤوس المجتمعين في المقبرة.

ويقول أبو أحمد الذي قتل أحد أقاربه في المدينة إثر رصاصة قناصة حزب الله: «نقوم بحفر القبور في سبيل دفن موتانا من المدنيين والمجاهدين، حين نشعر بتخفيف وتيرة القصف ليلاً».

مراقبة القناصين

ويردف أبو أحمد: «لم نعد نقصد مقبرة البلدة العامة، كونها غدت تحت مراقبة قناصة حزب الله المتمركزين في حاجز المشتل ومدرسة الفنون، وغالبية إصابات المدنيين تكون في الرأس نتيجة استهدافهم بالقناصة، فالحدائق العامة والساحات البلدة، ومساحات صغيرة داخل المنازل تحولت إلى المقابر الجماعية، قد يستغرق دفن الموتى ساعات أو ربما أيام ريثما تهدأ حدة قصف الطيران».

ويذكر أبو أحمد حادثة مأساوية تعكس شح المساعدات الإنسانية والطبية: «تم دفن رجلين في كفن واحد لعدم وجود الأكفان، يموت معظم الجرحى بسبب انعدام المواد الإسعافية، فوجود نسبة محدودة من السيروم والشاش الطبي اللاصق لتضميد الجراح لا تسد الحاجة الحقيقية».

وتشهد مدينة القصير وريفها حصارا خانقا من الجهات الأربع بحيث تحد من قدرة نزوح العوائل إلى المناطق المجاورة، الأمر الذي أجبر حوالي 20 ألفاً من سكان الريف الذين يخشون من حملة عسكرية شرسة اللجوء إلى داخل المدينة التي وصلت تعدادها إلى 40 ألفاً.

نقص الملاجئ

ويشير ناشط من داخل المدينة، وأطلق على نفسه أبو سامر، إلى أن «الناس تركوا منازلهم واحتموا في ملاجئ الأبنية، لكن للأسف أن الملاجئ نفسها لم تعد تستوعب الأعداد الهائلة، نظراً لافتقار معظم الأبنية إلى الملاجئ بسبب الطبيعة العمرانية المنخفضة».

ويضيف سامر: «ثمة عائلات حفرت الملاجئ داخل منازلها، واختار الآخرون أن يوكلوا شخصين بالتناوب طيلة الليل في حراسة بوابة المنزل الرئيسي بغية حماية النساء والأطفال في الداخل من أي مخاطر محتملة».

ويرسل مقاتلي المعارضة والنشطاء نداءات إغاثية إلى الجهات المعنية بضرورة إرسال المواد الطبية والغذائية إلى المنكوبين سيما أن المؤشرات الميدانية تشي بإطالة عمر معركة القصير، فالنظام يأبه الرجوع إلى الوراء ومقاتلي المعارضة يرفضون الاستسلام.

توقف الحركة

ويقول هادي الحمصي، الذي يعمل ناشطا إعلاميا ويقطن في قرية قريبة من القصير: «تتوقف حركة الناس نهائياً في النهار، بحيث يصعب على الناس الخروج من أجل تأمين احتياجاتهم من المأكل والمشرب، تتسلل بعض العائلات ليلاً لجلب الطعام من بيوتها ثم تعود إلى الملاجئ، هذا أن بقيت منازلهم بمنأى عن القصف والدمار».

ويروي هادي بأن ثمة عوائل عالقة على الطرقات والعراء ولا تستطيع أن تخطو خطوة في مكانها، فقد يتعرضون إلى القتل فوراً على يد مليشيات حزب الله في حال اكتشاف أمرهم، قائلاً: «لم يعد هناك سبيل ينزح إليه الناس في ظل الحصار، والحل الوحيد يكمن في تدخل دولي لإخراج المدنيين بقوافل محمية من قبل قوات الأمم المتحدة ، وهذا الأمر لن يحدث أبداً». ويضيف: «تسود حالة من الرعب والخوف بين الناس، ويخشى الأهالي أن تنجح القوات النظامية مع مليشيات حزب الله الدخول إلى المدينة، حينها سيترحم القاطنون على ويلات مجزرة بانياس»، على حد تعبيره.