دخلت في الآونة الأخيرة لغة «التفتيت والتفكيك»، بالتصريح أو بالتلميح، على المتابعات الأميركية الرسمية والإعلامية والبحثية لأزمات المنطقة. خاصة السورية والعراقية.
كان الحديث عن احتمالات التمزيق في هذه الكيانات ومعها لبنان، يتردّد من حين إلى آخر في التحليلات والتوقعات الأميركية، من باب أن الصراعات الحادة والمتداخلة التي تعصف بها تهدّدها بمثل هذا المصير. بل هي صارت أقرب إليه. وبالتحديد سوريا، التي باتت أوضاع الجوار مرتبطة بها وبمصيرها.
لاسيما العراق الذي عاد إلى زمن نزيف الفرز المذهبي الذي عاشه في 2006 و2007. ومثله لبنان المرشح لدخول هذا النفق، بعد نزول حزب الله علناً كطرف في النزاع السوري.
ويرى المراقبون أن هذه الساحات المشتبكة مع حالها ومع جوارها السوري في آن، صارت محكومة بنفس قاعدة الاصطفاف الخطير، الذي بدأت تعبيراته تتوالى على شكل فظائع مرعبة في مناطق بانياس وحمص.
وفي تقدير المتابعين للتطورات، أن بلوغ الشراسة هذا الحد ليس مسألة عابرة أو حالة معزولة، بقدر ما هو ترجمة «لعمق الهاوية والشرخ الطائفي في سوريا والذي يصعب تصور عودة اللحمة بعده إلى المجتمع السوري، أو تصور التوافق على نظام واحد يمكنه أن يحكم سوريا المستقبل بعد الآن. على الأقل في المدى المنظور» على ما يقول أحد كبار المحللين.
وقد ترددّت في هذا السياق كلمة «تفكيك» على لسان وزير الخارجية الأميركي جون كيري كما في أكثر من قراءة وسيناريو كأحد المسارات المحتملة للوضع السوري، على نفس النسق المتداول بالنسبة للساحة العراقية: ساحات ثلاث في كلا البلدين، حسب الجغرافيا التي بدأت ترتسم على الأرض.
استباق للأمور
لكن هناك فريق من المتابعين للأوضاع في المنطقة، يرى أن في هذا التشريح استباقاً للأمور. «فالأحداث التي تشهدها المنطقة عزّزت اندفاع الأوضاع في هذا الاتجاه وكشفت عن أزمة الحكم المركزي المعروف هناك.
لكن هذه البلدان لم تدخل عملية التفكيك الفعلي بعد» ، كما قال رئيس دائرة الشرق الأوسط في مؤسسة وودرو ولسون للدراسات في واشنطن، في جوابه على سؤال لـ«البيان»، ويضيف «إن هذه الحكومات، سوريا العراق ولبنان، قد تحتفظ بوضع حكومي مركزي أقرب إلى الوهم منه إلى التفكك النهائي.
فقد تغرق في عملية تؤدي بها إلى الدولة الفاشلة. لكنها عملية ليست قريبة». ولذلك هو يرى أن هذه الساحات المتجاورة والمتشابكة قد يصحّ وضعها في خانة «الدول المتفسخة».
المفارقة أن هذه الصورة في واشنطن، أخذت تتبلور في هذا الاتجاه بعد طرح فكرة المؤتمر الدولي بخصوص سوريا.
توافق
إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما التي حرصت على إشاعة شيء من التفاؤل بعد التوافق مع موسكو حول هذه الصيغة، بدت بعدها مرتبكة زيادة.
الرئيس أوباما يتحدث، خلال لقائه مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، عن سعي ودعم للمعارضة يرمي إلى بناء «سوريا تنعم بالديمقراطية»!.
وحتى الآن لا موعد للمؤتمر ولا أجندة. وهو قد ينعقد في ظلّ اختلال كبير في توازن القوى على الأرض لصالح النظام. وثمة من يرى أن هناك تسليما أو «تسهيلا» لمثل هذه المعادلة بغية حمل المعارضة على الحضور والالتزام بالتفاوض.
لاسيما وأن هناك تجاهلا الآن لتقديم أي دعم وازن للمعارضة رافقه شبه صمت أميركي ولو مع نقد خجول، لتزويد موسكو بصواريخ بحرية متطورة للنظام السوري. خلل قد يزيد من التعقيد، وبالتالي من التمديد للأزمة، وبما ينتهي إلى حالة التفسخ المفتوح على التفكك الذي قد يجعل المنطقة تترحم على سايكس بيكو.