في الوقت الذي كان فيه رئيس الحكومة التونسية علي العريّض في العاصمة القطرية الدوحة والرئيس المنصف المرزوقي متدثّرا بالصمت، وبينما اختارت الأحزاب السياسية الركون إلى انتظار النتائج لتعلن موقفها من الأحداث الجارية على الساحة، اختار وزير الداخلية لطفي بن جدّو أن يواجه حركة أنصار الشريعة، مدعوما بأجهزة الأمن التي شعرت لأول مرّة بعد ثورة 14 يناير 2011 بأنها قادرة على استعادة ثقة الشارع التونسي واستعراض قوتها والانطلاق في تنفيذ المهمة المنوطة بها بدون عوائق.
ومن مرّ بشوارع المدن التونسية ومنافذها خلال اليومين الأخيرين، لا شكّ أنه فوجئ بالتعبئة الكاملة لقوات الأمن والحماية المدنية (الدفاع المدني)، التي كانت تقوم بعمليات المراقبة والتفتيش.
إحدى السيدات كانت تقود سيارتها، عندما استوقفتها دورية أمنية، فبادرت بإطلاق الزغاريد، وعندما سألها الشرطي عن السبب، أجابته «الحمد لله أنكم عدتم أخيراً.. اليوم شعرت باستعادة الأمن».
عودة الثقة
في غضون ذلك، أكد مصدر أمني لـ«البيان» أن بن جدّو بث روحا معنوية جديدة في أجهزة الوزارة، وأعطى لرجال الأمن اهتماما كبيرا انعكس على أدائها، فخلال الأسبوع الماضي قرّر الوزير رفع منحة الخطر لأعوان الأمن من 20 إلى 100 دينار. والسبت الماضي كان له لقاء مع رئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر، طلب منه فيه استعجال إصدار قانون حماية رجال الأمن، حتى يؤدّوا مهماتهم في ظروف أفضل، ووعده بن جعفر بذلك.
من جهة ثانية، عمل بن جدّو على حل مشاكل الأعوان المطرودين، وقرّر الاستعانة بخبرات ضباط متقاعدين وخاصة في مجال الاستخبارات، وأكثر من ذلك فإن الوزير الحالي، الذي لا ينتمي إلى أي حزب أشعر أجهزة الأمن بالراحة، نظرا لأنها اعتادت خلال العقود الأخيرة العمل بعيدا عن ضغط الانتماء العقائدي الذي أرهقهم في عهد الوزير السابق علي العريّض (رئيس الحكومة الحالي).
حياد الرئاسة
وحظي بن جدّو بدعم من الشارع التونسي برز من خلال وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وردود الفعل التلقائية بين المواطنين، غير أن لرجال السياسة حساباتهم الأخرى، فالمرزوقي نأى بنفسه عما يدور من مواجهات بين رجال الأمن والتيار السلفي الذي بدأ يقترب منه مؤخرا، خصوصا بعد أن عبّر عدد من الأئمة المتشددين عن شكرهم للمرزوقي ولدعوته للسماح للطالبات المنقبات بالدراسة وإجراء الامتحانات في تجاوز لقرار المجالس العلمية المنتخبة.
بين فرضيتين
ويرى قياديو حركة النهضة أن الوزير المستقل أمام أمر من اثنين: نجاح تستفيد منه داخليا وخارجيا أو فشل تتبرّأ منه، كون الوزير مستقلاً وكون رئيس الحكومة كان في زيارة إلى الدوحة أثناء الأحداث، ورئيس الحركة كان في جولة أوروبية، وبقية القيادات لم تعبّر عن رأيها الواضح، رغم أن المراقبين يرون أن العلاقة بين حركة النهضة و«أنصار الشريعة» ما كان لها أن تدوم على ود، نظرا للخلاف العقائدي الواضح بين الفكر الإخواني الذي تتبناه «النهضة»، وفكر «القاعدة» الذي تعتمده «أنصار الشريعة».
المستفيد الأول
بات وزير الداخلية التونسي لطفي بن جدو المستفيد الأول من الصراع بين قوات الأمن وعناصر حركة أنصار الشريعة، ففي حالة بقائه على رأس الوزارة سيكون بإمكانه أن يحقق حلم «الأمن الجمهوري»، وفي حالة عزله سيكون بإمكانه خوض مجال السياسة بكثير من الدعم الشعبي، بعد أن أبرز صلابة القرار وشجاعة الموقف وكاريزما المسؤول القادر على حشد الناس حوله.