أبو فريد الذي يناهز 55 عاماً كان يتمتع بصحة عقلية جيدة وطبيعية على غير ما هو عليه اليوم بعد أن قتل ابنه في الجيش النظامي وتحللت جثته هناك، حيث يصاب بنوبات عصبية وبات الناس يصفونه بـ«المجنون».
ويقضي ساعتين يومياً ضمن فترة النقاهة عند الطبيب النفسي الوحيد الذي قدم إلى مدينة كوباني ذات الغالبية الكردية والواقعة في شمال شرق محافظة حلب.
يقول الطبيب النفسي مصطفى خالد إن أبا فريد تردد كثيراً قبل الشروع في السفر إلى العاصمة دمشق لتسليم جثمان ابنه الذي قتل في إحدى القطع العسكرية التابعة للنظام أثناء القتال مع مقاتلي المعارضة، مؤكداً أنه محظوظ لأنه «لم يفقد ذاكرته بعد».
مغامرة دمشق
وفي هذه الأيام، يتطلب السفر من منطقة كوباني وهي من بين البلدات المحررة في ريف حلب إلى مغامرة شجاعة يصعب على ذوي القلوب الضعيفة المجازفة بها.
واعتاد أبو فريد الذي يعمل نجار بناء في إعالة سبعة أفراد يشكلون أسرته أن يسمع على لسان المسافرين القادمين من العاصمة حكايات وقصصاً مروعة عن وحشية حواجز النظام المرابطة على الطرقات الرئيسية.
فمنهم من يقول إن مجموعة من المسافرين قتلوا عمداً بذريعة انتمائهم الديني والعرقي والجغرافي، ومنهم من يروي حوادث فظيعة على شاكلة سحل جثث المسافرين داخل أقبية سجون النظام بتهمة موالاتهم للثورة وإن لم تتوفر الأدلة والبراهين الملموسة.
ومنهم من يروي قيام قطاع الطرق بنهب ما بحوزة الركاب، ومن ثم تنزيل شتى أنواع العقاب بهم عبر أدوات تقليدية حادة كـالسكاكين والسيوف، وحالات تعذيب سادية يقوم بها مرضى يحملون السلاح.
حواجز التفتيش
وفي فجر اليوم التالي، شدّ أبو فريد الرحال مع أحد أقاربه على متن الحافلة العمومية متجهاً صوب مدينة منبج، هناك اجتازوا أول حاجز للجيش الحر بسلام بعد عملية التفتيش.
وكون طريق حلب دمشق تعطل بفعل القتال الدائر بين مقاتلي المعارضة والقوات النظامية منذ شهور، تضطر الحافلة لأن تنحرف جنوباً لتغوص في البادية السورية الشاسعة، بحيث يختفي آثار الأماكن المأهولة من الوجود، تاركاً المسافر يتأمل الشقوق في الأراضي الجرداء.
وفجأة تُجبر الحافلة على الوقوف بفعل تشهير مجموعة مسلحة أسلحة كلانشيكوف في وجه السائق.
في هذه الأثناء، كان أبو فريد مشغولاً على مصير شاب أنزله المسلحون، وبعد دقائق قليلة عاد الشاب خالي الوفاض إلى الحافلة بعد أن جرّدوه من هاتفه وكل ما يملك، وكاد الخوف يسقطه أرضاً. لتخرج الحافلة من عتبة الاختبار الأول، ويشرد تفكير أبي فريد بمصير ابنه المقتول.
سلسلة حواجز
مضى من عمر الرحلة ثماني ساعات مجتازين سلسلة حواجز قوات النظام دون عقبات تذكر، حتى وصلت الحافلة إلى الحاجز المرابط على أوتستراد دمشق - حمص بجوار بلدة القطيفة التي تنطلق منها صواريخ سكود صوب المناطق الشمالية.
ويشير أبو فريد بأنه حبس أنفاس الركاب حين «صعد خمسة أشخاص يرتدون ملابس الجيش النظامي الحافلة، هيئاتهم وأعمارهم توحي بأنهم من الشبيحة، حيث اقترب مني أحدهم، وقام بتفتيشي دون سواي، ثم استفسر عن الهويات الشخصية للركاب، جمعها في يده، وأخذها إلى المفرزة، بغية التدقيق والتمحيص.
لم تمر دقائق حتى عاد ذات العنصر، ليدفعني من كتفي، ويجبرني على النزول، استقبلني رئيس الدورية وهو برتبة العقيد بعبارات بذيئة، ويتهمني بكسر هويتي الشخصية، وهذا يعني حسب القانون بأني من مناصري الجيش الحر».
حاول جاهداً ومن دون جدوى إقناعهم بأن بطاقته الشخصية لم تكن مكسورة قبل عملية التفتيش. ولم تشفع له قصة قتل ابنه في الجيش النظامي.
وتعرض لتعذيب شديد. وفي صبيحة اليوم الثاني، وعقب رحلة التعذيب الشاقة، يقول أبو فريد: «من أجل إطلاق سراحي دخلوا معي في مساومة. فكان المبلغ المذكور لقاء مقايضة إخلاء سبيلي».
والمفأجاة الكبرى التي كانت تنتظر أبو فريد لدى الوصول إلى القطعة العسكرية ليستفسر عن مصير ابنه بعد يومين من حادثة اعتقاله على الحاجز النظامي، جاءت على لسان الضابط المسؤول ليقول له :«جثة ابنك تفحمت، ومن ثم تلاشت إلى قطع متناثرة، ولم يعد له أثر».
إصرار على الهدف
لم تقف هذه الروايات حائلاً بينه وبين بلوغ هدف: الوصول إلى العاصمة، والعودة بجثة ابنه. يصف أبو فريد بصعوبة بالغة اللحظات الأولية فور سماعه نبأ مقتل ابنه: «طالما قُتل فريد، لم تعد لحياتي أية قيمة، عقدت العزم على إحضار جثته، وتشييعه.. هذا كل ما تبقّى لي» .