تستعيد المساجد في العراق الصورة الدامية التي كانت عليها ابان اعوام الحرب الاهلية الطائفية في ظل تزايد استهدافها مؤخرا بأعمال القتل والتفجيرات العشوائية التي تنسب الى تنظيم القاعدة والميليشيات الشيعية.

ومع تصاعد التوتر الطائفي، تحول العنف اليومي خلال الاسابيع الماضية من استهداف للقوات الامنية خصوصا، الى ما يُسمى «حرب المساجد».

ويقول المحلل السياسي احسان الشمري إن «هناك تصاعدا في وتيرة الهجمات المتبادلة التي تستهدف المساجد السنية والشيعية، وذلك في محاولة لإعادة انتاج العنف داخل النفس العراقية»، مضيفاً القول إن «الرعب يتسلل الى النفوس، وشبح الحرب يسيطر على المشهد العراقي، الحرب السياسة والمذهبية والامنية إنها حرب على المساجد».

عنف مذهبي

ومنذ انسحاب القوات الاميركية نهاية 2011، تركزت معظم الهجمات على القوات الحكومية والمناطق الموالية للحكم، وهي اعمال عنف غالبا ما يتبناها «دولة العراق الاسلامية»، الفرع العراقي لتنظيم القاعدة.

الا ان هدفا جديدا اضيف الى لائحة الاهداف المعتادة لهذه الهجمات بالتزامن مع تصاعد حدة التظاهرات المناهضة لرئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي المتهم بتهميش المحافظات الغربية السنية.

فعلى مدى الاسابيع الماضية، عادت المساجد الى دائرة الاستهداف بالأحزمة الناسفة والقذائف الصاروخية والقنابل اليدوية، فيما تواصلت الهجمات ضد الحسينيات الشيعية. ولم تتبن اي جهة اعمال العنف الطائفية هذه.

وفي واحد من اعنف هذه الهجمات، قتل 42 شخصا واصيب العشرات بجروح في انفجار عبوتين ناسفتين الجمعة استهدفتا مصلين قرب مسجد سني وسط بعقوبة (60 كلم شمال شرق بغداد).

وجاء ذلك غداة مقتل 12 شخصا في هجوم انتحاري بحزام ناسف عند مدخل حسينية في كركوك (240 كلم شمال بغداد) مساء الخميس الماضي.

مراهنة

ويقول وكيل رئيس ديوان الوقف الشيعي سامي المسعودي إن «الاستهداف الحالي للمساجد والحسينيات يمثل مراهنة على عودة العراق الى مربع الطائفية»، مضيفاً: «عندما تستهدف حسينية سيتبادر الى الذهن ان السنة هم الذين قاموا بها، وحين يستهدف مسجد سيقال ان الشيعة قاموا بذلك، لكن في الحقيقة نحن مجمعون على ان من يقوم بهذه الاعمال هم التكفيريون وتنظيم القاعدة»، على حد وصفه.

وتحدث المسعودي عن استهداف اكثر من 45 جامعا وحسينية تابعة للوقف الشيعي منذ بداية العام الحالي، معتبرا ان ما يحدث «هجمة شرسة تتعرض لها دور العبادة».

بدوره، قال مصدر مسؤول في الوقف السني رفض الكشف عن اسمه: «نحن مهددون، حتى اننا لم نذهب الى الدوام الاثنين الماضي بعدما تلقينا تهديدات بمهاجمة مقر عملنا» في بغداد، مشيرا الى «استهداف اكثر من عشرة مساجد في بغداد وحدها خلال شهر».

تجنب المساجد

وتدفع هذه الحوادث العديد من العراقيين الى تجنب الذهاب الى المساجد والحسينيات، وتعيد الى اذهانهم ايام الحرب الطائفية بين 2006 و2008 حين كانت دور العبادة الهدف الاول لأعمال العنف.

ويقول احسان احمد وهو تاجر يسكن في منطقة البيجية غربي بغداد: «توقفت عن الذهاب لتأدية الصلاة بعد اغلاق المسجد القريب من بيتنا بسبب الهجمات».

ويضيف: «آخر هذه الهجمات كان انفجار عبوة بالمؤذن قبل نحو اسبوعين حين اندفع المؤذن رحمه الله الى العبوة قرب باب الجامع ووقف عنده يحذر المصلين من الاقتراب (...) وفجأة انفجرت العبوة واستشهد هو».

ويتساءل احمد: «كل هذا حدث امام عيني، فكيف لي ان اذهب مجددا؟. حتى ان زوجتي واولادي يمنعونني من الذهاب».

من جهته، يقول علي (29 عاما) و يعمل حارسا امنيا في شركة خاصة: «الناس باتوا يترددون في الذهاب الى الحسينيات مع انني لم اتوقف عن ذلك. علينا ان ندرك ان هناك من يحاول العودة بنا الى الوراء وان نواجه ذلك».

 

مات الأمل

تقول ليلى شيروان وهي ربة منزل: «اذهب منذ اكثر من 25 سنة الى المسجد لأصلي، لكنني توقفت عن ذلك عندما بدأت الاحداث الطائفية قبل أعوام»، مضيفة: «في زمن صدام كنا نقول انه لا يوجد امل، واليوم تأكدنا بالفعل ان الامل في هذا البلد مات ولن يحيا مجدداً». أ.ف.ب