يبدو المشهد السياسي في الكويت مفتوحاً على كل احتمال، وإنْ كانت سخونته في قادم الأيام محكومة بموعد 16 يونيو، موعد فصل المحكمة الدستورية في دستورية انتخابات ديسمبر 2012 التي أجريت وفق قانون انتخابات الصوت الواحد، والذي يبدو أنّه يضغط على السلطتين التشريعية والتنفيذية رغم قطعهما خمسة شهور من «التعاون المضبوط».
إصرار الحكومة على الاستقالة انتظاراً لحكم المحكمة الدستورية في 16 يونيو بشأن دستورية المرسوم الأميري الخاص بالصوت الواحد الذي جاء وفقه المجلس الحالي، وإن جاء كرد فعل على تقديم عدد من النواب استجوابيْن متزامنيْن لنائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الشيخ أحمد الحمود الصباح ووزير النفط هاني حسين، جعل الحكومة في موقف المُصَعِّد عبر تقديم الاستقالات الجماعية والتغيب عن قاعة مجلس الأمة والتسريب بإمكانية اللجوء إلى الأدوات الدستورية لتعطيل المجلس النيابي مؤقتاً.
الأزمة السياسية الجديدة تكاد تكون عصية على الحل التقليدي، وسط طغيان أجواء «الحل»، أي حل مجلس الأمة.. فالحكومة مطالبة بالتحرك السريع «من الداخل» لنزع فتيل هذه الهجمة النيابية التي قطعت خمسة شهور من الهدوء
ويبدو بجلاء أنّ حكم المحكمة الدستورية «سيحكم» النبض السياسي في الكويت خلال الأسابيع الأربعة المقبلة. وإذا صُبّ فوقه بعضٌ من الصراع السياسي داخل بيت الحكم فذلك ينبئ بأن حلقاته استحكمت.
والجديد في هذه الأزمة أنّ الحكومة تسابق الزمن لتطويق أسباب الأزمة مع المجلس النيابي ومنها أزمة عقد الداو (الشرط الجزائي المكلف الذي ألزم التحكيم الدولي الحكومة بدفعه لفسخها عقداً مع شركة داوكيميكال الأميركية)، فضلاً عن مآخذ تجاه السياسة الأمنية. وكان لافتاً تحرّك الحكومة السريع لاحتواء الانتقادات وتطويق التصعيد ضدها عبر تحويل صفقة الداو والشبهات حولها إلى النيابة العامة و«تجميد» عدد من القياديين في القطاع النفطي وصناعة البتروكيماويات إلى حين استجلاء الحقيقة في القضية.. كما برز ليل الخميس الماضي مسعى لتنفيس الأزمة مع مجلس الأمة عبر إشارات إلى نية الحكومة ووزرائها حضور الجلسة المقبلة للبرلمان المقررة في 28 الجاري.
وبات واضحاً من خلال الأوضاع السائدة أن الكويت مقبلة على فصل سياسي جديد لا تجدي معه وسائل «العلاج» القديمة.. وأنّ 16 يونيو سيحمل معه مرحلة مغايرة، وأن البلاد مقبلة على انتخابات جديدة، سواء حكم لصالح قانون الصوت الواحد أو تم إسقاطه. ففي حالة الخيار الأول ستكون السلطة في وضع أقوى «يجبرها» على إعادة صياغة المشهد من موقع قوي آخذة بعين الاعتبار الخلل الذي شاب مفرزات انتخابات 1 ديسمبر.
أما الخيار الثاني فيعني فصلاً جديداً للأزمة وعودة إلى المربع الأول بعودة قانون الانتخابات القديم ومجلس أمة جديداً قديماً لا يحمل وداً للحكومة التي تبدو في موقع لا تحسد عليه، إذ بيّنت مجريات الأسبوع الماضي أنّها «محشورة» وأنّ سبل المراوغة لديها محدودة وأنّ ما بيدها فقط هو مواجهة الاستحقاقات الحكومية الداخلية لسحب البساط من تحت المساءلات النيابية بدلاً من التصادم مع البرلمان في مواجهة قد يكون ثمنها باهظاً حكومياً أولاً.. وهذا بالضبط ما عكسه بوضوح تصريح منسوب لرئيس مجلس الأمة علي فهد الراشد الذي أكّد أن «المجلس لا يعيش أزمة، إنما الأزمة لدى الحكومة».
وبحسب التسريبات، والتحليلات، فإنّ موقف الحكومة تجاه الأزمة الحالية مع المجلس ماضٍ في التصدي لمخطط إسقاطها، فضلاً عن أنّ رفعها كتاب عدم التعاون (مع البرلمان والذي يقضي في العرف الدستوري حل مجلس الأمة) ليس ضمن الخيارات قريبة المدى.
وأظهرت المعالجات الحكومية المتخذة حتى الآن أنّ الحكومة تفضّل «المواجهة الداخلية»، مع عدم التراخي أمام مجلس الأمة وفق تكتيكات محسوبة، بدل الصدام مع البرلمان في مواجهة تخطئ حساباتها، خاصة في ظل تسريبات وشكوك تتحدث عن أنّ الاستجوابيْن المقدّمين في ذات اليوم ضد وزيري النفط والداخلية، والتلويح باستجوابيْن آخريْن، تمّا بإيعاز هدفه إحراج الحكومة ورئيسها الشيخ جابر المبارك في توقيت حرج دستورياً وقانونياً وشعبياً.
تركيز على الاستجواب النفطي
يبدو تركيز الحكومة الكويتية منصباً على استجواب وزير النفط هاني حسين مع تجاهل استجواب وزير الداخلية الشيخ أحمد الحمود، وتفسير ذلك أنّ الاستجواب الأول يحمل في طياته قضية تبديد المال العام، وشبهات فساد.
فضلاً عن أنّ القضية الفضيحة تعود فصولها إلى حكومة مختلفة وبرلمان مختلف الغالبية العظمى من أعضائه باتوا يحملون لقب سابق، وبعضهم من الناقدين الشرسين للحكومة وللحكم.. وهو ما يرى فيه مراقبون هجوماً مضاداً هدفه الالتفاف على محاولة واضحة لـ «تلغيم» الحكومة والعلاقة مع البرلمان عبر توجيه السهام إلى وزير الداخلية الشيخ أحمد الحمود الصباح، الذي يشغل أيضاً موقع النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، ودفعه إلى منصة الاستجواب وطرح الثقة ما يعني ذلك من خيارين لا ثالث لهما: حل لا شكّ فيه لمجلس الأمة و«تفجير» الحكومة عبر خلق أزمة داخل الحكومة ربّما تمتد رقعتها إلى داخل الأسرة الحاكمة.
ويقوم الاستجواب المقدم إلى الشيخ أحمد الحمود إلى ملفات عدة، منها: عن عدم تعاونه مع البرلمان، وحدوث انتهاكات للأحكام القضائية، وحوادث انفلات أمني، إلى جانب ما يرى المستجوبون أنّه تستر منه على المتهمين الكويتيين في قضية خلية الإخوان المسلمين التي ألقت السلطات الأمنية الإماراتية القبض عليها نهاية العام الماضي لاعتبارات سياسية نظرا لأن من بينهم نوابا سابقين.
وتبدو هذه المفاضلة في التركيز على أيٍّ من الاستجوابيْن واضحة في المواقف النيابية التي تشير إلى تغلغل التباين وسط الصفوف النيابية وفق العلاقة مع الحكومة ورئيسها. فكان هناك أكثر من صوت مفاد رسالتهم أنّ «المجلس لن يقبل أي تأجيل للاستجواب المقدم إلى وزير النفط» وأنّه إذ لم يستقل حتى جلسة 28 الجاري فعليه أن يصعد المنصة، أما «استجواب وزير الداخلية فليس له معنى» نظراً لوجود شبهة مماحكة سياسية في إثارته.
