أيام قليلة تفصلنا عن معرفة أسماء المرشحين الذين سيخوضون غمار المنافسة على رئاسة إيران، وهي منافسة شرسة بكل المعايير نظراً لعوامل عدة، أحلاها مر، إذ إنّ هيمنة المتنافسين المحافظين على السباق، وبالتالي سيكون «الفرز» بين الأسماء الكبيرة المنافسة ضربة لبعض رموز التيار المحافظ الذي يعاني من انقسامات لا يستهان بها.. فيما سيكون إقصاء مجلس تشخيص مصلحة النظام الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني (وهو رئيس المجلس ذاته) من السباق بمثابة زلزال سياسي لن يستطيع النظام في إيران من تجاوزه بلا ارتدادات مؤلمة.. وكذلك الحال في حالة استبعاد اسفنديار مشائي صهر الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد. وسيكون اقصاء الاثنين أشد وطأة، فمعنى ذلك أنّ المنافسة ستكون بين رموز من التيار المحافظ الذي سيتضرّر من هذه «المعركة الداخلية» كما ستتضرّر البلاد التي سيقصى أحد أجنحتها السياسية ما سيرفع منسوب الاحتقان الداخلي الكامن منذ خريف 2009.

أما إذا قبل ترشّح رفسنجاني فإن المواجهة ستكون مؤلمة مع من سيحمل لواء التيار المحافظ في المنافسة، وأياّ من يكن الفائز فإنّه سيكون مثخناً بالجراح التي لن ينجو منها أيضاً البناء المجتمعي الإيراني، ففوز رفسنجاني سيجعله رئيساً يسبح ضد «تسونامي»، فالبرلمان هو بيت للمحافظين (ولا يعتقد أن سيطرة المحافظين عليه ستتراجع خلال انتخابات العام 2015) ما يعني أنّ الرئيس سيكون في واد والسلطة التشريعية في واد ولن يلتقيا، وعليه ستكون الرئاسة كالبطة العرجاء.. فضلاً عن ذلك سيبذل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي كلَّ ممكنٍ لاحتواء سلطة رفسنجاني.

ويبرز هنا تحد كبير للنظام في الرابع عشر من يونيو المقبل إذ إن انحسار المشاركة الشعبية في الانتخابات في ظل عزوف الناخبين الإصلاحيين، إذا ما أُبعد المرشح رفسنجاني، وعزوف فئات من الوسط المحافظ، قد يطعن في شرعية وشعبية الرئيس المقبل.

والمعروف على مدار السنين الماضية أنّ الانتخابات في إيران لا تنال أبداً شهادة دولية بالنزاهة.. وفي سبيل الالتفاف على هذا «التشكيك المسبق»، وأيضاً في سبيل المحافظة على الهدوء السياسي الداخلي، يعمد المحافظون إلى إتاحة حيز من الحركة لغيرهم من الفئات بما يكفي لعدم انسداد شريان الشرعية عن النظام وبما لا يشكل تهديداً لهيمنتهم.

ولكن لعبة المحافظين الذي يعتبرها البعض ذكية بتقديم أكثر من 20 مرشحاً، لخلق انطباع بالمنافسة الحرة، قد تأتي بآثار عكسية، إذ إنّ اعتماد مرشّح ما قد يثير حنق آخر، وبينهم العديد من الأسماء ذات الوزن الثقيل. أما الإبقاء على أكثر من اسميْن قويّيْن كـ: حسن جليلي وغلام علي حداد (المرتبط بمصاهرة مع المرشد) أو جليلي ضد علي اكبر ولايتي مع رفسنجاني وحده أو مشائي وحده فذلك يعتبر مغامرة قد تكون تكلفتها باهظة في 14 يونيو.

وأهم ما يميّز هذه الانتخابات، أنّ نجاد بات يعتبر تياراً ثالثاً في الجمهورية الإسلامية، بعد أربع سنوات فقط من ضرب رأس النظام، المرشد خامنئي، التيار الإصلاحي لأجل ضمان التجديد له لولاية رئاسية جديدة.. وهو ما يمكن اعتباره «حسبة» غير مضبوطة وقع فيها النظام، حينذاك، الذي لم يقدّر أنّ نجاد سيجنح في عهدته الرئاسية الثانية عن ولائه للمرشد.