يطعن جنود سوريون رجلا ببطء في ظهره عشرات الطعنات حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة، ويقضم زعيم معارض قلب جندي قتيل، ويقطع فتى رأس سجين، ويبتر جندي الأعضاء التناسلية لجثة. وفي لقطة أخرى بثت على الإنترنت، يظهر احد مقاتلي المعارضة وهو يمسك برأس رجل يفترض أنه من مؤيدي رئيس النظام بشار الأسد، وراح يشويه على النار. ويبتسم المقاتل في اللقطة ثم ينظر للكاميرا بثقة، وينتزع خصلة من شعر الرأس.
هذه بعض المشاهد من الصراع الدائر في سوريا، وهي الحرب الأولى التي سمح فيها انتشار كاميرات الهواتف المحمولة والإنترنت ببث العديد من جرائم الحرب البشعة التي ارتكبت فيها، لتنشر الخوف والكراهية.
وتحدد هذه المشاهد معالم الحرب التي تمتد عبر الحدود السورية وتجعل المصالحة احتمالاً أبعد منالاً.
واستخدمت الوحشية منذ اندلاع الانتفاضة السورية قبل عامين، عندما ظهرت لقطات فيديو لجنود سوريين يعذبون محتجين يطالبون بالديمقراطية.
ورداً على قمع السلطات للاحتجاجات، حملت المعارضة السلاح وأصبح المقاتلون من طرفي الصراع الآن يصورون أنفسهم وهم يرتكبون الفظائع. ولا تصور اللقطات الوحشية للعنف خلسة، لكن المقاتلين يفخرون بها، وكثيراً ما يتحدثون إلى الكاميرا التي تصورهم.
ويقول رينود ليندرز، وهو أستاذ مساعد في قسم دراسات الحروب في «كينغز كوليدج» في لندن إن طرفي الصراع في سوريا يستخدمان هذه المظاهر.
ويضيف: «إنها أقصى تعبير عن ازدراء وامتهان إنسانية خصمك»، مستطرداً: «يواجه النظام صعوبة في تحديد أفراد المعارضة، لذلك يخوفون المدنيين للخروج من المنطقة، حتى يكشفوا عن المقاتلين.
ويبدو الأمر غير منطقي وغير عاطفي، لكن هناك أسبابا منطقية». ويؤكد ليندرز: «فكرة المصالحة غير واقعية الآن. أصبح الصراع الآن يدور حول فكرة الصراع ذاته أكثر من موالاة نظام أو معارضته.
أرى تباينا تاما بين الروايتين الأميركية والروسية وما يحدث في سوريا». ووثق نديم حوري، وهو باحث في شؤون سوريا ولبنان لدى منظمة «هيومن رايتس ووتش» المعنية بحقوق الإنسان، انتهاكات منذ اندلاع الانتفاضة. وتقود الأغلبية السنية في سوريا الثورة، بينما يحصل الأسد على الدعم الأكبر من الطائفة العلوية التي ينتمي لها، مما أثار صراعا طائفيا ومشاعر كراهية.
وقال حوري إن «المزعج» على وجه الخصوص هو «صمت» القوى الدولية. وأشار إلى هجوم شنته قوات الجيش السوري والميليشيا الموالية لها في الآونة الأخيرة على مدينة بانياس الساحلية، وقتل فيه مئات الأشخاص ومن بينهم رضع. ويضيف أنه «يشهد هذه المذابح منذ أكثر من عام»، وأن «الأمر الصادم هو مستوى اللامبالاة، فالناس يهزون أكتافهم ثم ينظرون بعيدا».
ويردف: «لا توجد مصالحة حقيقية في لبنان الآن، وهناك تمزقا في النسيج السوري يشبه ما حدث في لبنان». وبالنظر إلى الطبيعة الطائفية وتراخي القوى الكبرى إزاء الصراع السوري، فإنه يشبه في ذلك البوسنة التي مزقتها حرب دارت بين عامي 1992 و1995 بين الصرب والكروات والمسلمين، واستحدثت مصطلح «التطهير العرقي» في العالم بعد بعض من أسوأ الفظائع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
وبعد قرابة 17 عاما على انتهاء الحرب في البوسنة، فإن الجراح لم تندمل.