تشير مجريات الحركة المحمومة بين واشنطن وموسكو هذا الأسبوع، إلى أن الجهود تتمحور حول جعل طريق عقد المؤتمر الدولي بخصوص سوريا، سالكة بأي صورة تحفظ ماء الوجه. المهم، بالنسبة لواشنطن أن يتحقق جمع وفدي النظام والمعارضة في غرفة واحدة للتفاوض. ولو أن الطاولة خالية من أي بوصلة حلّ لردم الهوّة السحيقة بين الطرفين وبما يجعل الصيغة هشة وسريعة العطب من البداية. وكأن المؤتمر صار غاية بذاته. وهذا ما يهدّد احتمالات نجاحه. وربما حتى انعقاده.
وتبدو إدارة أوباما وكأنها تراهن على اثنين: المساعي الروسية بعد بلع شروط موسكو التي رحّب أمس البيت الأبيض وضيفه دافيد كامرون، بجهودها. الثاني، إدخال الأزمة في "عملية" تفاوض، بطبيعتها مفتوحة على الزمن. وعبارة "عملية" التي عاد وشدد عليها دافيد كامرون رئيس الوزراء البريطاني في مؤتمره الصحفي مع أوباما، تستحضر إلى الذاكرة سيرة المؤتمرات الدولية التي بقت في معظمها مفتوحة على مخارج ما زالت في ظهر الغيب؛ مثل مؤتمر مدريد ومؤتمر المناخ وغيرهما.
لترجمة هذه الصيغة، يتردّد أنه يجري توزيع الأدوار بحيث تتكفل موسكو السعي لضمان تمثيل النظام السوري بوفد لا يثير الحساسيات. في المقابل تتولى واشنطن مع الأوروبيين حمل المعارضة على الحضور وبوفد موحّد. وفي هذا الخصوص تقول مصادر إن العواصم المعنية على وشك الدخول في التفاصيل والأسماء وجدول الأعمال. وجزء من دخول السفير الأميركي روبرت فورد إلى شمال سوريا قبل أيام، كان لغربلة الأسماء.
وإذ بدا التوافق تاماً بين أوباما وكاميرون حول ضرورة إطلاق "العملية"، إلاّ أن التباين بقي حول المقاربة. فالأوروبيون إجمالاً يرون أن طرح خيار التسليح للمعارضة كبديل في حال فشل المؤتمر، من شأن إعلانه في هذه اللحظة أن يساعد على تعزيز احتمالات عقد المؤتمر. وربما على تحقيق قدر من النتائج التي يمكن البناء عليها للتوصل إلى مخرج. لكن إدارة أوباما لا تبغي التلويح بالتسليح الجزئي لئلا تتكرر معها قصة "الخط الأحمر"، لو باءت مساعي المؤتمر بالفشل وتجد بالتالي نفسها مرة أخرى في الزاوية التي وضعت نفسها فيها من خلال التلويح بـ"الخط الأحمر" المعروف. ويتوقع محللون أن يطرح اردوغان، الذي يلتقي غداً الخميس مع الرئيس أوباما في البيت الأبيض، الفكرة ذاتها ليس فقط كسبيل لتحسين فرص المؤتمر؛ بل أيضاً كتحذير رادع قبل أن تتحول الأزمة السورية إلى قنبلة عنقودية تنفجر صواعقها المتناسلة عنها في كل اتجاه والتي جاء التفجير الأخير قرب الحدود التركية مع سوريا لينذر ببدء تمدد العنف العابر للحدود والذي يشهد شمال شرق لبنان تجلياته.
لكن المتوقع أيضاً أن ينجح الرئيس في ضم اردوغان إلى قافلة المؤتمر وتأجيل البحث بالخيارات الأخرى. بل إن إدارته تقوم بحملة في هذا الاتجاه. لكن "من غير ضمان" النتائج، كما قال الرئيس. لا التزام بالنجاح ولا بالبدائل. خاصة في هذه اللحظة الغارقة فيها إدارته بأزمات داخلية قريبة من الفضائح: من انكشاف تفاصيل جديدة عن حجب معلومات في قضية مقتل السفير الأميركي في بنغازي كما بانكشاف شطط في ممارسات مديرية ضريبة الدخل ربما تكون خضعت للتسييس من خلال ملاحقة شريحة من قوى اليمين المناهض للرئيس. فهو الآن وسط عاصفة يحاول النافخون فيها تصويره وكأنه نيكسون آخر في لفلفة الحقائق وحجبها عن الكونغرس والرأي العام.
ورشة المؤتمر شغّالة بكامل طاقتها. موسكو محورها. قصدها كامرون والأمين العام للأمم المتحدة ودخل نتنياهو على خطها. واليوم يلتقي كيري مرة أخرى في غضون أيام مع لافروف في السويد وغداً يصل اردوغان إلى واشنطن. كما بعد أيام ينعقد مؤتمر المعارضة في اسطنبول. كله لمؤتمر حول أزمة متعددة الأبعاد والأجندات. أما ما هو المتوقع منه، فهذا ما لا يشغل واشنطن الآن.