ثمة عقبات تواجه المعارضة السورية قبل انعقاد مؤتمر جنيف2، ومما لا شك فيه أن تلك العقبات قد تكون ذات خلافات عالقة بين الجانبين الروسي والأميركي، مع الفارق، أن المعارضة السورية تبحث عن إنهاء الأزمة لصالح أهداف الثورة، في حين يريد الطرفان الرئيسيان استثمار تلك الخلافات لتقوية أجنداتهم الاستراتيجية في المنطقة.
وعشية توصل الطرفين إلى التفاهمات الأولية بشأن عقم الخيارات العسكرية، وضرورة الانفتاح على المخارج السياسية، أصدر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، المظلة السياسية لمقاتلي المعارضة، بياناً يشترط فيه ضرورة تنحي الأسد وأركانه كشرط مسبق قبل شروع في أي مفاوضات محتملة، وهذا الموقف ينسجم مع تطلعات تيارات ذات صلة بالائتلاف الوطني، وهو ذات المطلب الذي طالبه البيت الأبيض عقب لقاء لافروف وكيري كشرط أساسي لنجاح المؤتمر. ناهيك على أنه يشكل نقطة خلاف جوهرية بين روسيا وأميركا، إذ أن اتفاقية جنيف الأولى نأت بنفسها عن توضيح هذا البند، ولا زالت الغشاوة تجلله إلى الآن.
معضلة أساسية
ولعل في هذه النقطة تكمن المعضلة الأساسية التي تواجه الائتلاف الوطني، رغم المحاولات الحثيثة من قبل الدول الغربية والإقليمية لإقناع الائتلاف بالمشاركة في مؤتمر جنيف2، في الوقت الذي يشترط الائتلاف تقديم ضمانات تقتضي بضرورة رحيل النظام مع رموزه.
وإن لم تخرج المحادثات بحلول راضية للائتلاف الوطني، فمن المرجح أن تحتل المواجهات العسكرية صدارة المشهد اليومي.
ويقول القيادي في المجلس الوطني السوري جبر الشوفي إن كل السوريين يريدون الحل السياسي بدءاً بوقف العنف وجرائم النظام، لكن هذا لا يقودنا إلى القبول بأنصاف الحلول، معللاً بأن فيها: «عملية إجهاض للثورة وبيع دم السوريين بالرخيص، ومع انغلاق الأفق السياسي الذي سيعطله النظام برفضه لتشكيل حكومة ذات صلاحيات، ودعوته إلى مؤتمر تحت عباءته وإصراره على عدم الرحيل، لا يبقى بيد الثوار إلا الاستمرار في حربهم معه حتى إسقاطه».
آخر رمق
ويرى المحللون أن تشبث روسيا بورقة الأسد بيدها إلى أخر رمق، بمثابة سلعة فريدة يساوم بها مع المعسكر الغربي لكسب مزيد من امتيازات استراتيجية في المنطقة، وليس مفاجئاً أن تخرج بعض الأصوات تشيد بمزايا الدبلوماسية الروسية على أنها انتصرت على نظيرتها الغربية في هذا الشأن، كون بقاء الأسد في منصبه يشكل حجر عثرة في وجه مشاريع غربية في المنطقة، ويعللون ذلك بأن المنطقة مقبلة على متغيرات استراتيجية، حيث ستأخذ تطلعات الشعوب بعين الاعتبار، وإن لم تكن بشكل كامل. ووفقاً لهذا التصور فإن الأسد بات ينعت بـ«مجرم الحرب» حيث سقط شرعيته بنظر شعبه، ويستوجب تقليص حجمه، ومن ثم إزالته من أية حسابات دولية مستقبلية.
ولا يتحقق ذلك بنظر المحللين قبل أن تتلافى المعارضة عقبة أخرى قبيل انعقاد مؤتمر جنيف، وتتجسد تلك المعضلة في بنيتها وضعف تمثيلها للثورة، فهي مشرذمة ومنقسمة على نفسها سواء بشقيها العسكري والسياسي، وقد تجد نفسها بظرفها الراهن في وضع واهن، ومن السهولة اقتيادها حتى لو جاهرت بتمثيلها للثورة في مسار مفاوضات مع النظام.
مخاطر
ويبدو أن المعارضة بدأت تشعر بحجم هذه المخاطرة، فهي إن لم تستطيع التوحد على كلمة واحدة، على الأقل يتعين عليها إعادة تأهيل تركيبتها، واستقطاب تكتلات سياسية وعسكرية قدر المستطاع في صفوفها قبل الإقدام على أية مفاوضات جدية مع النظام.
وتشير معلومات مسربة أثناء لقاء السفير الأميركي في سوريا روبرت فورد مع أعضاء الائتلاف الوطني في اسطنبول بأنه ألحّ على الائتلاف الوطني إعادة تشكيل هيكلته وتوسيعه، بحيث يجعل منه مفاوضاً قوياً في جنيف 2، وشدد على ضرورة انضواء معظم الفصائل المقاتلة على الأرض تحت سقف هيئة الأركان العسكرية، ولا بد من مواصلة القتال بغرض فرض التوازن في الميدان العسكري، وتالياً تعزيز موقفهم التفاوضي.
وتذهب تلك التسريبات إلى أن فورد لم يكتف بذلك فقط، بل زار بنفسه العقيد عبد الجبار العكيدي قائد المجلس العسكري في حلب وريفها في إحدى المناطق الشمالية المحررة داخل سوريا، وأكد بأنه من يخرج عن التعليمات المذكورة، ويبدي الامتعاض والرفض سينحشر مع جبهة النصرة التي قد يميل الغرب مع الروس إلى محاربتها فور تثبت الحكومة الانتقالية أركانها على الأرض.
توفير مناخ
ويظهر للعيان، أن الاستراتيجية الغربية لم تعد تقتصر على إزالة العوائق والأشواك من طريق الائتلاف الوطني والجيش الحر، بل يتجاوز ذلك إلى توفير مناخ ملائم يمهد لتكوين «معارضة معتدلة» على حد تعبير وزير الخارجية الفرنسية لوران فابيوس، وذلك للحد من نفوذ الإسلام الراديكالي المتنامي في البلاد.
وهذه الإشارات لاقت صداها لدى غالبية التيارات المعارضة التي تدعو إلى الحل السياسي، وضرورة وقف العنف، وتميل إلى حلول توفيقية. حيث سارعت إلى جمع قواها في مؤتمر القاهرة، تحت يافطة تشكيل تيار «القطب الديمقراطي». ومن شأن هذه الخطوة أن تحرج النظام ومواقفه المتزمتة. وتبعث في الوقت عينه رسائل الثقة إلى روسيا التي لها علاقات جيدة ببعض من التيارات المجتمعة في القاهرة.
كادر
القطب الديمقراطي
يختلف القطب الديمقراطي عن الائتلاف، بأنه لا يضع شروطاً مسبقاً من أجل حضور المؤتمر، ويرى أن نظاماً برلمانياً قادراً على تقليص صلاحيات الرئيس الجمهورية، ويضع حداً لتوغلاته وسطوته على رقاب مؤسسات الدولة. وستقود هذه العملية حكومة انتقالية ذات صلاحيات مطلقة ومنبثقة من مقررات جنيف 2، تأخذ شرعيتها من قرارات ملزمة من المجلس الأمن تحت بند السادس.
كما أنه يراهن على استحواذ المعارضة على حقائب وزارتي الدفاع والداخلية، حينها قد تقوض قوة الأسد ودائرته الأمنية والعسكرية. لكن يبقى خروج هذه السيناريوهات إلى النور مرهوناً بالتوافق الدولي قبل كل شيء. البيان