للمرة الأولى منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، بدا حزب العمال الكردستاني بعيداً عن دائرة الاتهام على خلفية تفجير يحدث داخل تركيا (تفجيرات الريحانية). في السابق، حتى الهجمات التي نفذها عناصر تنظيم «القاعدة» على اهداف غربية داخل تركيا، لم يسلم الحزب الكردي من أن يكون أول المتهمين المفترضين.
جاءت عملية السلام التي أعلن عنها زعيم العمال الكردستاني عبد الله أوجلان والاستجابة التركية لها في توقيت حرج وحاسم: انفجار المنطقة بالهويات الأساسية، الطائفية والعرقية. لكن بينما يتم إغلاق هذا الملف الكردي بحل توافقي، تلوح في تركيا مشكلة أخرى أكثر خطورة من القضية الكردية من حيث التصاقها بالوضع الإقليمي، وهو احتمال بدء العلويين القتال ضد السلطات التركية.
الريحانية وبانياس
لم يعد بإمكانية المسؤولين الأتراك التعتيم على هذا الأمر، فوزير الخارجية أحمد داوود أوغلو صرح أمس ان «من تورطوا في تفجيري الريحانية هم من نفذوا مجزرة بانياس في سوريا الأسبوع الماضي. وهو يشير بذلك إلى قائد ميليشيا «المقاومة السورية» الذي يحمل الجنسية التركية ميراج أورال المعروف في سوريا بـ«علي الكيالي» وظهر في تسجيل مصور وهو يدعو إلى «تطهير بانياس».
ما يزيد من فرضية أن يكون هجوم الريحانية هو إعلان غير رسمي عن «كفاح مسلح» للعلويين في هاتاي تصريح نائب رئيس الوزراء التركي بشير اتالاي من أن التسعة الذين اعتقلوا على خلفية تفجيري الريحانية التركية هم مواطنون أتراك.
إذن، كيف يستقيم تصريح أوغلو بأن العملية الإرهابية «علاقته الكاملة بالنظام السوري» وتصريح أتالاي بأنهم «مواطنون أتراك»؟. هذا يعني أن تركيا تدرك تماماً أن هناك ذراعاً للنظام السوري داخل تركيا، وهذا الذراع منظمة تحظى بتمثيل في مجتمع محلي يعيش على رقعة جغرافية تعتبر امتداداً بشرياً وجغرافياً للمنطقة الساحلية السورية.
في الثالث من سبتمبر العام الماضي، ذكر الموقع الالكتروني لصحيفة «زمان» التركية على الانترنت أن «حزب جبهة التحرير الشعبية التركية»، يقوم بتحريض العلويين الأتراك في ولاية هاتاي (اسكندرون) للقتال في صفوف قوات النظام السوري.
وأشار التقرير نقلاً عن مصدر أمني أن نسبة حيازة السلاح في هاتاي ارتفعت بدرجة كبيرة بين العلويين الذين يعارضون سياسة رجب طيب أردوغان ويرفعون صور الأسد. ويقول لاجئون سوريون في هاتاي إن العديد من الجثث عادت من سوريا إلى قرى العلويين، ويتم دفنها من دون مراسم عزاء.
صعود أورال
ميراج أورال الذي شاع ذكره على نطاق واسع خلال الأسابيع الماضية، يقود جناحاً منشقاً عن الجبهة الشعبية التركية يعرف اختصاراً بـ«أجيلجيلر»، وتعني المتعجّلون، وهي مأخوذة من أطروحة يسارية فكرية بعنوان «المشكلات الملحّة في الثورة التركية».
وتأسس هذا التنظيم عام 1975 عبر ثلاثة منشقين عن الزعيم اليساري ماهر تشايان، وهم إلتر أكمان وبصري تميزلاب وأحمد كوش بحسب بروفايل للتنظيم أعدته صحيفة «ستار».
بعد صراعات غامضة داخل التنظيم آلت القيادة فيما بعد لميراج أورال الذي شارك في حرب طائفية مقنعة بالأيديولوجيا وعرفت بحرب الميليشيات بين اليمين واليسار بين عامي 1970 و1980 وأودت بحياة خمسة آلاف شخص على الأقل.
بعد الانقلاب الذي قاده الجنرال كنعان أفرين عام 1980، فرّ كل قادة التنظيمات اليسارية إلى خارج تركيا، ومنذ ذلك الوقت يقيم أورال في سوريا وصدرت بحقه مذكرة اعتقال من الانتربول الدولي. وبات اسم التنظيم في سوريا «جبهة تحرير لواء الاسكندرون».
اليوم، يقود أورال في سوريا ميليشيا «المقاومة السورية» ويقاتل إلى جانب قوات النظام في مناطق تعرف بـ«خطوط التماس الطائفي» في سوريا، وهي المناطق التي تشهد أبشع المجازر عادة على يد الميليشيات الموالية للنظام.
وهو يحظى بشعبية في مسقط رأسه بهاتاي حيث يقيم 500 ألف علوي، إضافة إلى كل من ولايتي مرسين وأضنة اللتان تضمان أقلية من العلويين الناطقين بالعربية تربطهم صلات قرابة تاريخية مع العلويين في سوريا.
تتخوف تركيا من تحرك قاسي للعلويين في هاتاي ضد صيغة الدولة التركية بدعم من سوريا وإيران، وبات هذا في حكم المؤكد طالما أن حزب العمال الكردستاني اختار أن لا يضع نفسه في موقع يظهر فيه ألعوبة بيد إيران ونظام الأسد، وإنما طرفاً بحجم دولة .. لكن هناك من هو مستعد لأخذ هذا الدور رغم صغره.. إنه تنظيم ميراج أورال.
أسلوب العصابات
يعتمد نشاط ميليشيا ميراج أورال في تركيا على صيغة حرب العصابات الصغيرة، وتتضمن تفجيرات بعبوات ناسفة تستهدف بنوكاً أو قنصليات أو مؤسسات للدولة، ولم تدخل في قتال مباشر سوى في سوريا.
وخلال الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تركيا عام 2010 أرسلت الاستخبارات التركية تحذيراً إلى ولاية هاتاي من أن ميليشيا أورال كان يبحث عن طرق لإشعال صراع طائفي في الولاية عن طريق اغتيال شخصيات علوية رفيعة، مما يوضح أسلوبه اولاً، وكيفية البدء بإشعال هاتاي ثانياً.