تفتح باكستان اليوم مرحلة جديدة من تاريخها السياسي عبر أول انتقال ديمقراطي فعلي بعيداً عن انقلابات العسكر التي رسمت طريق البلاد خلال الخمسين عاماً الماضية.. لكن العملية الديمقراطية تحفّها الكثير من التحديات، فضلاً عن منافسة شرسة ورغبة جارفة بالتغيير، تجعل التكهّن بشخص الرئيس المقبل مستحيلاً.
من المتوقع أن تشهد الانتخابات التي تجري اليوم تنافـــساً حاداً وسط الأحزاب السياسية التقـــليدية لاقتناص هذا الاستحقاق التاريخي الذي تلفه أجواء أمــنية ضــاغطة، حيث تهيمن الاغتيالات والتفجيرات، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخص، على المشهد.
وبينما حقّقت الأحزاب التقدمية في انتخابات العام 2008 التقدم وقــادت البلاد لخمـــسة أعوام استــثنائية.. يبدو أن ميزان التقدم يمـــيل هذه المرّة نحو يمين الوسط ولصـــالح حزب الرابطة الإسلامية التي يتزعّمها رئيس الوزراء السابق نواز شريف وحركة الانصاف في باكستان بزعامة نجم الكريكت السابق عمران خان طريح الفراش اثر حادث عرضي كاد يودي بحياته.
ويرى كثير مــن المراقبين ان شريف، الذي قُلِب عن السلطة في العام 1999 وعاش بضع سنوات في المنفى (المملكة العربية السعودية) هو الأوفر حظاً لتولي رئاسة الوزراء لمرة ثالثة.. لكن ذلك لا يمنع أن عمران خان قد يحقق فوزاً مباغتاً.. في حين يبدو حزب الشعب الحاكم الذي قاد البلاد خلال الأعوام الخمسة الماضية وسط تركة اقتصادية وأمنية صعبة في حال لا يحسده عليها أحد.
وعى اي حال، يصعب توقع أي احتمالات، مع وجود الكثير من المتغيّرات التي قد تقلب اي توقعات مسبقة في ضوء وجود طبقة شعبية (الشباب) تتعطش للتغيير بعدما سئمت من الأحزاب والاسماء التقليدية. وعــليه، تبدو حظوظ نواز شريف وبيلاوال بوتو (نجل الرئيس آصف علي زرداري ورئيسة الوزراء السابقة بنازير بوتو) محفوفة بالمخاطر.. ومحكومة بإقناع الناخبين، الذين يناهز تعدادهم الـ 83 مليوناً، ببرامجهم الانتخابية، التي يشكل الاقتصاد ومحاربة الفساد والأمن عمادها.. وهي ملفات ليست في صالح شريف أو زرداري وابنه.
وهناك عامل آخر، يبدو أنّه سيلعب دوراً في تحديد هوية الرئيس، مع انّه على كل الصعد لا يحبّذ استقراراً ولا ينشد نجاحاً لهذه الانتخابات، وليس من مصلحته عبور باكستان هذا الاستحقاق بسلام.. والمقصود هنا حكيم الله محسود زعيم حركة طالبان باكستان وحركته التي استهدفت هزّ الوضع الأمني لإثناء الباكستانيين عن التوجه إلى صناديق الاقتراع.
ومع التصـــعيد في حجم ونوع الهجمات التي شنتها «طالبان» خلال الأسابيع الماضية تبدو انتخابات اليوم بمثابة عملية انتحارية.. في ضوء التهديدات التي تتوعد بها «طالبان» عموم الناخبين.