من رحم الاستقطاب السياسي الحاد في مصر وُلدت جملة من الآليات العملية؛ للصدام بين القوى السياسية؛ وبعضها بعضًا في مُحاولة؛ لتصفية الحسابات؛ والاستحواذ على أكبر نسبة تواجد وشعبية بالشارع المصري؛ سعيًا نحو الفوز بـ«كعكة» التمثيل السياسي نيابيًا، أو من بمؤسسة الرئاسة مُستقبلاً.. ومن أبرز تلك الأدوات العملية التي استخدمها بعض الفاعلين على المشهد المصري آلية الدعاوى القضائية المُطالبة بسحب، أو إسقاط الجنسية من بعض الساسة أو النشطاء.

وتأتي الدعاوى القضائية المُطالبة بإسقاط الجنسية المصرية عن عدد من النشطاء بوجه عام في خضم تُهم بـ«التخوين» و«العمالة» و«إفساد المشهد السياسي المصري» تُلاحق عددا من النشطاء والفاعلين داخل مُختلف المؤسسات والهيئات والأحزاب السياسية، وغيرها.. وكانت آخرها دعوى قضائية قُدمت منذ يومين تُطالب بإسقاط الجنسية المصرية عن مرشد جماعة الإخوان المسلمين د.محمد بديع؛ لاتهامه بتعكير صفو المشهد الداخلي المصري، والتسبب في إراقة دماء المصريين في أحداث الاتحادية في نوفمبر الماضي، وكذلك أحداث «المُقطم» التي وقعت منذ شهر تقريبًا.. وهي الدعوى التي قدّمها المستشار القانوني لجبهة مناهضة أخونة مصر المحامي طارق محمود.

دعاوى

ومن أبرز الدعاوى القضائية التي قُدِّمت للمطالبة بإسقاط، أو سحب الجنسية المصرية من بعض النشطاء، كانت الدعوى التي قدّمها القانوني حامد صديق؛ للمطالبة بسحب الجنسية المصرية عن الناشط السياسي البارز د.محمد البرادعي؛ نظرًا لعمله السابق كمدير لوكالة الطاقة الذرية برغبة من أميركا وأوروبا، وهي الدعوى التي تضامن معها المحامي نبيه الوحش الذي أكد على أن احتفاظ البرادعي بجنسيته النمساوية يدفع به إلى إسقاط الجنسية المصرية!.

كما أن الفنانة إلهام شاهين دخلت هي الأخرى من عالم الفن إلى ساحة الاستقطاب السياسي الحاد مُطالبة بإسقاط الجنسية المصرية من أحد رموز الإسلام السياسي بمصر وهو الشيخ عبد الله بدر، وهي المطالب التي ردّ عليها أنصار الشيخ بالمطالبة بسحب الجنسية عنها.. في الوقت الذي طالبت فيه دعاوى قضائية أخرى بإسقاط الجنسية عن أبناء الرئيس المصري د.محمد مُرسي الذين يحملون الجنسية الأميركية.

كما لاحقت أيضًا دعاوى سحب الجنسية بعض رموز النظام السابق على رأسهم جمال وعلاء مبارك نجلي الرئيس حسني مبارك.

وفي السياق ذاته، يقول المُحامي المصري البارز وائل حمدي في تصريحات لـ«البيان»: إن قانون الجنسية حدد شروط فقدان الجنسية المصرية: أبرزها قيام الفرد باكتساب جنسية أخرى أجنبية دون إخطار السلطات المصرية، أو أن يتجنس بجنسية دولة مُعادية»، مشيرًا إلى أن «الجنسية لا تسقط على الفرد؛ حتى لو ارتكب جرمًا جنائيًا مُعينًا، فقد يكون مرفوضًا مجتمعيًا أو سمعته مشوهة، لكن يظل مُحتفظًا بالجنسية».

ويضيف حمدي القول إن «الآراء أو المواقف السياسية، أو غيرها من المستحيل أن تكون عاملاً؛ لإسقاط الجنسية عن أي فرد، إلا حال أن يثبت خيانة ذلك الفرد لبلده بالتعاون مع دولة أجنبية بمستندات تثبت ذلك، وتطمئن إليها المحكمة، لكن غير ذلك لا يمكن إسقاط الجنسية مطلقًا»، مؤكدًا على أن أي إدارة سياسية تستطيع أن تغتال معارضيها، ولكنها لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تُسقط الجنسية المصرية عن هؤلاء المعارضين؛ فالأغلبية مُتغيرة، والأنظمة تتبدل، والجنسية محفوظة بحصانة خاصة للفرد».

ويرى مراقبون أن المطالب الخاصة بإسقاط الجنسية المصري من بعض النشطاء: ما هي إلا مُحاولات؛ لتشويه صورتهم بالساحة السياسية كأحد آليات اللعب غير النظيف في الصراع السياسي الذي يُمزق مصر حاليًّا، مُشيرين إلى أن الشارع المصري يستطيع أن يميز بين كل تلك الادعاءات، ويستطيع وحده أن يُحدد من هو الخائن لبلده، ومن هو مُحافظٌ لها ولاستقلالها، دون أن يتأثر بحملات التشويه السياسية التي نالت، أو طالت الجميع.