رغم أنها بدأت عنفاًَ جامعياً، إلا أنها ما لبثت أن توسعت لتصيب محافظة بأكملها. فقبل أيام، وقعت مجزرة في جامعة الحسين بن طلال في محافظة معان جنوب الأردن راح ضحيتها استاذ جامعي قتل بدم بارد في مكتبه، وطالبان جامعيان، وطفل كان في زيارة مدرسية ضمن وفد إلى الجامعة. ومنذ ذلك الحين وجنوب الأردن يشتعل، فيما لم تفلح الجهود العشائرية في تبريد التوتر في المحافظة، وهي سابقة لم يعرفها المجتمع الاردني سابقا. وشارك العديد من وجهاء العشائر من مختلف محافظات المملكة الخميس الماضي في وجاهة لعقد اتفاق بين المعانيين وقبيلة الحويطات التي قبلت بإعطاء مهلة لمدة 10 أيام لمعرفة المتسببين بوفاة اثنين من أبنائهم وتعهدهم بعدم إغلاق الطرق أو إثارة الاحتجاجات في المدينة. لكن الاتفاق أحبط برفض شباب العشيرة له.

ويرى «المعانيون» في الاحداث بأنها «محاولة للنيل منهم واضعافهم».

ويشير «ائتلاف معان للتغيير» في بيان إلى أن ما تشهده المدينة «يذكر بأحداث العام 2002 قبيل دخول القوات الأميركية إلى المملكة»، محملا الحكومة وأجهزة الدولة مسؤولية افتعال هذه الأحداث لـ«إلهاء الشارع الأردني وتضليله عما يجري في كواليس السياسة الرسمية»، على حد وصفه. أما سكان المدينة، فاعتبروا أن وزارة الداخلية «كانت بطيئة في إيجاد حل للازمة»، مشيرين إلى أن مطالبهم «واضحة»، وهي «تسليم الجناة إلى القضاء وإشهار هوية المتهمين ليتم ملاحقتهم قانونيا وعشائريا».

استمرار الصدامات

ولليوم الرابع على التوالي، تجددت الاحتجاجات وأعمال الشغب بشكل واسع في محافظة معان على خلفية أحداث جامعة الحسين، حيث امتدت من المريغة والحسينية إلى قرى أذرح والجرباء والراشدية والمنشية. كما استمر إغلاق الطرق الرئيسية الواصلة بالعاصمة عمان في الوسط ومدينة العقبة جنوبا. كما وقع تبادل كثيف لإطلاق النار بين مسلحين وقوى أمنية، إضافة إلى إطلاق مجهولين النار على بوابة جامعة الحسين وسكن الطالبات، وصراف آلي أدى إلى تحطمه.

بدوره، قال مدير شركة كهرباء معان محمد المزايدة إن مجهولين أحرقوا مغذيات كهربائية رئيسية في المدينة، ما أدى إلى انقطاع التيار عن أجزاء واسعة في المنطقة.

صراع وعشائر

وفي تعليقه على ما يجري، يرفض استاذ تاريخ الاردن المعاصر علي محافظة أن ينظر إلى العنف الجامعي بنظرة يقصرها على الحرم الجامعي.

يقول محافظة إن «الصراع القبلي الذي تعانيه الجامعات الاردنية تعبير عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي السياسي العام في البلاد». ويضيف: «الحكومات الاردنية المتعاقبة منذ عقود من الزمن عززت وشجعت العشائرية بمختلف السبل والوسائل، حيث بلغ هذا التشجيع أوجه العام 1993 حينما صدر قانون الصوت الواحد الذي منح العشائرية مكانة سياسية مهمة في الحياة الأردنية».

ويتابع محافظة أنّ الحكومة الأردنية أنشأت في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي مجلسا للعشائر بعدما «ألغت نشاط الأحزاب السياسية لمدة 35 عاماً بين 1957 -1992 ثم عادت إليه في العام التالي، ضمن سياسة طبقت في المنطقة عنوانها مقاومة الشيوعية والقضاء على الأحزاب القومية»، على حد وصفه. ويستطرد القول إنّ الأمر «بقي يتمدد إلى العام 1993، فكان لا بد من الوصول إلى مجلس نيابي طيع، فوجد قانون الصوت الواحد، ثم أعيد ترتيب الدوائر الانتخابية بطريقة تجعل المنتخبين يمثلون العشائر وائتلافاتها». ويردف أنّه «عندما نجح قانون الصوت الواحد، أصبح أعضاء البرلمان يقدمون قوائمهم للديوان الملكي، كل يمثل قبيلته، لقبول الطلبة قبولا استثنائيا في الجامعات الرسمية الاردنية تحت عناوين مختلفة، ومن ذلك ما يسمى بالمدارس الأقل حظا، ومنها لوائح أبناء العشائر البدوية، وغير ذلك من القوائم التي تفرض على الجامعات منذ 30 عاما».

شؤون الجامعات

ويقول محافظة إنّ أعضاء البرلمان في تلك الآونة «لم يتوانوا عن التدخل اليومي في شؤون الجامعات، والضغط عليها من أجل تجاوز القوانين وعدم الالتزام بها تجاه الطلبة المشاغبين». ويوضح أنّ إدارات الجامعات «تتعرض إلى ضغوط، فإذا ما حاولت الجامعة عقاب الطلاب المشاغبين الذين لا يحصلون على علامات جيدة، تدخلت الأجهزة من أجل إخراج الطلبة الذين ارتكبوا مخالفات تستدعي فصلهم من الجامعة». ويلفت إلى ان «عدم الالتزام بقوانين الجامعة وأنظمتها وتعليماتها أخذ المجتمع إلى العنف الجامعي، حتى تحولت الجامعات إلى مضافات، ومكان للجاهات لإنهاء المشاكل»، على حد تعبيره.

وأردف د. محافظة «الأساس هو عدم سيادة المفهوم العشائري على الجامعات»، مؤكدا في الوقت ذاته أن «أحداً ليس ضد العشيرة كمنظومة اجتماعية، لكن لا يجوز أن يساء استخدام المنظومة العشائرية لتخريب الدولة».