لم تكن الغارة الإسرائيلية على ثلاثة مواقع عسكرية معنية بنقل صواريخ إيرانية إلى حزب الله داخل الحسابات لكل من النظام والمعارضة اللذين أربكتهما الغارة، فالقصف استهدف مواقع على مرأى من أهالي دمشق الذين راقبوا كتلة اللهب الضخمة فوق سماء جبل قاسيون، وهو أقوى قصف إسرائيلي على سوريا منذ إعلان دولة إسرائيل عام 1948.
خلال أكثر من عامين على الثورة السورية، توصل السوريون في المعارضة إلى تفكيك شيء من «التفاهم غير المعلن» بين إسرائيل والنظام السوري، ليس فقط تجاه القضايا الإقليمية، وإنما تجاه الوضع الداخلي السوري أيضاً، حيث عبّرت إسرائيل مراراً عن خشيتها من وصول «متطرفين» إلى السلطة في دمشق باعتبار أن نظام الرئيس بشار الأسد هو أفضل من يدير لعبة الإبقاء على العداء مع ضمان الهدوء النموذجي تجاه إسرائيل.
غير مرتبط بالداخل
يقول مستشار الحكومة السورية المؤقتة، وائل ميرزا، في تصريحات لـ«البيان»: إن إسرائيل تحمي مصالحها عبر الغارة، وبالتالي فإن هذا التدخل غير مرتبط بالمعادلات الداخلية في سوريا، مؤكداً أن الدافع الأساسي للغارة «إقليمي»، وبالتحديد بنقل أسلحة متطورة وربما كيماوية لحزب الله. ويضيف ميرزا: «هذه التطورات ترفع درجة التوتر بشكل خطير، ويهدد بتحويل سوريا إلى ساحة صراع إقليمي مباشر أوسع مما كان سابقاً، وعليه نناشد الدول الصديقة للشعب السوري، وعلى رأسها دولة الامارات العربية المتحدة والأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي، بتكثيف المساعدات من أجل إنهاء معاناة الشعب السوري وإسقاط النظام لأنه وحده الكفيل بإغلاق الساحة السورية أمام التدخلين الإيراني والإسرائيلي». ولم يستبعد ميرزا أن تكون الغارة على مستوى آخر تصب في «خدمة النظام» من حيث توفيرها «غطاء على مجازر الإبادة المستمرة التي يرتكبها بحق الشعب في المنطقة الساحلية». ويرفض المعارض السوري اعتبار الغارة خدمة للثوار ضد النظام، حيث إن «بإمكان إسرائيل قصف القصر الجمهوري» في حال أرادت خدمة المعارضة».
قراءة الخطوط الحمراء
بدوره، يقول الكاتب والمحلل السوري حسن حسن لـ«البيان»: إن البعض يعتقد أن الغارة الإسرائيلية نوع من الضغط على واشنطن للتدخل، ولكن أعتقد أن هناك تفاهماً، ليس بالضرورة أن يكون تنسيقاً، بين الولايات المتحدة وإسرائيل للتعاطي مع التطورات الأخيرة عن طريق عمليات جراحية هنا وهناك. ويضيف حسن أن حزب الله فتح ممرات إلى سوريا، وهذا تطور غير مسبوق على مدى عامين من الثورة، لذا، من المتوقع أن إسرائيل ستقوم ببعض العمليات الاستباقية لضرب أي أسلحة يحتمل نقلها لحزب الله، لكنها نوع من الردع أيضاً، ورسالة بأن إرسال أسلحة لحزب الله ليس مسألة هينة وأن هناك نتائج وخيمة على النظام - في أماكن مؤلمة مثل دمشق.
ويلفت حسن إلى أن هذه الغارة ربما تكشف أن الخطوط الحمراء التي حددها الرئيس الأميركي باراك اوباما قد لا تعني بأنه سيفتح باب الدعم للمعارضة أو التعاطي معها، ربما تفضل الولايات المتحدة السماح لإسرائيل بالقيام بهذه الإجراءات لتنفيس الضغط على واشنطن، وهذه إشارات ليست من مصلحة المعارضة.
ضرب إيران
ويؤيد الكاتب الكردي السوري هوشنك أوسي فرضية أن الأمر متعلق بالوضع الإقليمي وليس الداخلي السوري، لافتاً إلى أن إسرائيل تريد جر طهران وحزب الله للمواجهة كي تختصر المسافة لضرب المنشآت النوويّة الايرانيّة. ذلك ان تل ابيب، ومنذ فترة، يدور الحديث في اروقة صناعة القرار العسكري السياسي الاسرائيلي عن التحضير لضرب ايران، بمعزل عن الموافقة الأميركيّة. وبالتأكيد فإن زيارة اوباما الاخيرة لاسرائيل، وتصريحاته الاخيرة التي تشير الى حق اسرائيل في الدفاع عن النفس ضدّ ايران، كلّها مؤشّرات إلى أن واشنطن أعطت الضوء الاخضر لضرب طهران.
تبادل أدوار؟
لا يخرج التدخل الإسرائيلي عن سياق المعادلات الإقليمية المرتبطة بإيران وحزب الله، ولا يمكن استبعاد أن يكون ضمن سلسلة من الخطوات المقبلة المتوازية يكون فيها التدخل الإيراني في سوريا بحجم التدخل الإسرائيلي، وأحدها يوفر المبررات للآخر بحيث تصبح الصورة النهاية إعادة تفسير لـ«الخط الأحمر» الأميركي، لتصبح وفق الصيغة الجديدة ليس استخدامها ضد السوريين، وإنما نقلها إلى حزب الله. هكذا.. بهذه الصيغة الجديدة من فتح سوريا أمام إيران وإسرائيل تختفي الثورة السورية من المشهد، وسط صمت اميركي روسي متفق عليه.
انهيار الثقة
ميراث عامين من الثورة لم يترك مجالاً للشك بأن انهيار النظام يشكل كابوساً لإسرائيل، ويرى المعارض السوري أديب الشيشكلي أن الضربة الإسرائيلية «دليل واضح على انهيار النظام وعدم ثقة اسرائيل بسيطرته على الأسلحة النوعية التي يمتلكها، لذا وجب تدميرها قبل أن تصل أو يسيطر عليها من قبل جهات لا يضمن العدو الصهيوني توجهها» في إشارة إلى أن تل أبيب تريد حرمان المعارضة من الاستيلاء على أسلحة نوعية يمكن أن تهدد أمنها.