يسود اعتقاد لدى معظم العراقيين، بأن الساسة الذين يتحدثون ضد تشكيل الأقاليم، هم على يقين بأن العراق متجه في هذا الطريق، لأن البديل الوحيد عنه الآن هو الحرب الأهلية والتقسيم، حيث لم تكن مسألة المطالبة بالإقليم السني مطروحة حتى قبل مدة قصيرة، لكن عملية الإبادة الجماعية في الحويجة، والتهديد بتكرارها في الرمادي والفلوجة وسامراء وديالى والموصل، وغيرها من المناطق المنتفضة، عجلت بهذا الطرح.
والغريب في الموضوع، أن دعاة تشكيل الأقاليم اليوم، هم من كانوا أول الرافضين لها، وان من يدعون رفضها، هم من يسعون إلى ذلك ميدانياً، وكانوا أشد المتحمسين لها عند صياغة الدستور، وعند تشريع القانون الخاص بها في البرلمان السابق، حيث قاطع العرب السنة، وبعض الليبراليين، جلسة البرلمان ولم يكتمل النصاب إلا بعد جهد جهيد، ومن خلال إحضار النواب الشيوعيين ليكتمل النصاب عند الحافة، ويقرر قانون الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم.
رفض الانفراد بالحكم
الآن تغيرت الصورة، بل انقلبت، لأن تولي السياسيين الشيعة الحكم، جعلهم لا يكتفون بالمطالبة بإقليم الجنوب والوسط، فيما اخذ العرب السنة يتجهون نحو تشكيل الإقليم أو الأقاليم، رافضين انفراد جهة واحدة بالحكم، فرضت على الجهة الأخرى أجندتها.
وحسب المراقبين السياسيين، أن الأميركان اجبروا السنة على عدم مقاطعة الانتخابات، والدخول في العملية السياسية، من خلال إقناع بعض قادتهم بأن الامتناع يعني تعرضهم للإبادة. ولكن مشاركتهم، في نظر العديد من المراقبين السياسيين، كانت لإعطاء غطاء شرعي لكل ما يحصل الآن، ومن أمثلة ذلك «مجزرة الحويجة».
حل وسط
وحمّل النائب عن التحالف الوطني جواد البزوني، من يرفض إنشاء الأقاليم، مسؤولية التصعيد والدماء التي أريقت بسبب الأزمة الأمنية، مطالباً بإنشاء الإقليم كحل أمثل للخروج من الأزمة، متهماً من يقف بوجه هذا المشروع بأنه يهدف إلى تقسيم العراق، في حين ان رإنشاء الأقاليم ليس تقسيماً وإنما هو حل لكل الخلافات.
وذكر البزوني، وهو من نواب دولة القانون، أن «الحل الأمثل للخروج من الأزمة هو إنشاء الأقاليم، وطالما لدينا إقليم كردستان، فيجب أن نقوم بإنشاء الأقاليم الأخرى، أو أن نلغي إقليم كردستان، وأنا اعتبر هذا الأمر مستحيلاً، لعدم موافقة الكرد على هذا الموضوع، وارى الأول هو الحل الأمثل، وإذا ما اتجهنا نحوه تهدأ الأمور وسيحصل الجميع على استحقاقاتهم»، مشيراً إلى أن «المكونات المختلفة والجغرافية المتنوعة تحتم علينا إنشاء الأقاليم، ويعتبر هذا حلاً طالما كتب ووضع بالدستور العراقي، والمطالبة به حق طبيعي ودستوري، أما رفض الأقاليم فهو سبب كل المشاكل التي مر بها العراق طيلة الفترة الماضية».
الابتعاد عن الطائفية
في المقابل رأى النائب عن ائتلاف العراقية فارس السنجري أن «المطالبة بإنشاء أقاليم ليست حلاً، ولا تخدم جميع الأطراف، مشدداً على ضرورة الابتعاد عن القضايا الطائفية والقومية والمذهبية كونها لا تخدم أحداً ويجب أن يكون العراق موحداً من جميع الجوانب». لكنه استدرك قائلاً: «أنا شخصياً لا أؤمن بإقامة الأقاليم، وإنما أؤمن بالعراق الواحد الموحد الذي يجمع جميع العراقيين، وترك جميع القضايا المذهبية والقومية جانباً كونها لا تخدم الأقاليم ولا تصب بمصلحة العراق».
وأشار السنجري إلى أن من أوصل المتظاهرين إلى المطالبة بإنشاء الأقاليم هو عدم استجابة الحكومة إلى مطالبهم، والتهديد والوعيد الذي تمارسه بحقهم. وتابع أن «دفع القوات العسكرية على المتظاهرين وغلق منافذ الحدود مع الأردن جميعها أمور استفزازية قامت بها الحكومة، وأغلقت باب الحوار أمام المتظاهرين»، وأضاف أنّ «إنشاء الإقليم لا يعد حلاً، لكن عدم الاستجابة إلى مطالب المتظاهرين أيضاً يعقد المشهد ولا يحل الأزمة».
ويحبذ مجلس علماء العراق خيار «أن نحكم أنفسنا بأنفسنا ونقرر مصيرنا بأيدينا ضمن عراق واحد نحفظ فيه ديننا ونحقن به دماءنا ونصون به أعراضنا في حكم ذاتي وتعيش المكونات المختلفة ضمن بلد واحد وهذا ما كفله لنا الدستور الذي يتغنون به».
الواقع المتغير
وحسب المراقبين السياسيين، فإن دعوات الأقلمة، انطلقت مع وجود مواد في دستور 2005 الذي كتب على عجالة وبأيدٍ أغلبها غير متخصصة بالحقوق والإدارة، إلا أن أكثر مِن دعوة لإقامة الأقاليم فشلت، أما إقليم كردستان العراق فهو تحصيل حاصل أُقيم تحت ظرف حرب 1991 كمنطقة آمنة عسكرياً وصارت لها إدارة خاصة، ولم تتمكن من الاستغناء أو فك الرابط مع العاصمة بغداد، وما كانت الفيدرالية مطلباً كردياً إلا العام 1992، وجاءت كمقترح من خارج القوى الكردية، فالمطروح كان الحكم الذاتي، وهو ما تقرر لهذه المنطقة عِقب بيان 11 مارس 1970 بالاتفاق بين الحكومة العراقية آنذاك والقيادة الكردية.
فبعد التاسع من أبريل 2003 أخذت قوى حزبية إسلامية مرتبطة بإيران، تدعو إلى إقليم شيعي في الوسط والجنوب تكون عاصمته النجف، وهذا ما كانت تؤيده إيران كي تكون منطقة هذا الإقليم ملتصقة بها، وبالفعل تحولت هذه الدعوة إلى مقترح لم يلاق صدىً له، وظل يتداول لأكثر من عام، ثم أُحجم عنه، وبالمقابل قدمت شخصيات بصرية مقترحاً كي تكون البصرة إقليماً، وانزل المقترح للتصويت ولكنه فشل، مثلما فشلت محاولة عزل البصرة عن العراق العام 1920 وربطها بحكومة الهند البريطانية.
تخوف من انتقال العدوى
وبعد ذلك حصلت متغيرات في السياسة الإيرانية تجاه أقلمة العراق، فلم تعد تشجع على إقليم شيعي لأنها ترى في ذلك تحجيماً لطموحها الاقتصادي والسياسي، فإيران تريد عراقاً كاملاً، وفي حالة وجود إقليم شيعي ستكون هناك حجة لقيام إقليم سُني في المحافظات الغربية، أو أن ديالى، على طول الحدود الإيرانية الغربية، والشرقية من جهة العراق، وستكون إقليماً منفرداً، وهي المختلطة بأغلبية غير موالية لإيران.
يضاف إلى ذلك انتباه إيران إلى وضعها الداخلي فهي دولة متعددة القوميات والمذاهب، وحتى الأديان، وربما انتقلت إليها عدوى الأقلمة: بلوشستان، وأذربيجان، وكردستان وغيرها من الأقاليم المتباينة قومياً ومذهبياً عن القومية والمذهب الحاكمين.
وحدة هشة
وويرى عدد من المتتبعين أن الأميركان يمارسون الضغط للتعامل مع العراق الطوائف لا مع العراق الوطن، وكانوا يجهضون كل دعوة وطنية في تغيير السلطة السابقة، ومازالت السياسة سائرة بهذا الاتجاه، على الرغم من التظاهر بمظهر الحفاظ على وحدة العراق، غير أنها الوحدة الهشة والقلقة، وتركها قابلة للانفصام في أية لحظة.
خطط بريطانية
كشفت صحيفة «صندي تليغراف» البريطانية أمس أن قادة سلاح البحرية الملكي البريطاني يعدون خطط طوارئ لاجلاء جماعي لحملة الجنسية البريطانية من سوريا والدول المجاورة.
وقالت الصحيفة إن بريطانيا «ستنشر قوة بحرية كبيرة في شرق البحر الأبيض المتوسط لاجراء مناورات واسعة النطاق بعد انتهاء أولمبياد لندن، وستكون قادرة على مساعدة المدنيين الفارين من العنف المتصاعد في سوريا».
واضافت أن أسطول السفن من قوة التدخل السريع ستشمل حاملة الطائرات «إيلستريوس» والسفينة البرمائية «بولوارك» وعلى متنها مغاوير من مشاة البحرية الملكية البريطانية، وسيُنفذ عملية انزال برمائية في جزيرة سردينيا وألبانيا وتركيا قبل أن يرسو قبالة سواحل قبرص القريبة من سوريا. لندن ـ يو.بي.آي