لم تمض شهور على التحذيرات التي أطلقها الرئيس الأميركي باراك أوباما أواخر العام الماضي للرئيس السوري بشار الأسد، من مغبة استخدام الأسلحة الكيماوية، حتى استخدمت هذه الأسلحة بالفعل، وبحسب تأكيدات البريطانيين والأميركيين أنفسهم. ولكن التحذير الأميركي لم يتحول إلى إجراء تلقائي، كما ظن الكثيرون، فها هو يدخل في سراديب اللعبة الدبلوماسية، ويخضع لمنطق التأويلات التي تفرغ أي فكرة أو تصريح من محتواه.

ويعرف الكثير من المراقبين درجة الحرج التي شعرت بها الادارة الأميركية ومعها حلفاؤها في أوروبا الغربية، من هذا الاستخدام المفاجئ من قبل قوات النظام السوري للأسلحة الكيماوية، فهم ظنوا أن السقف المرتفع الذي وضعوه للأسد كي لا يقفز عنه، سوف يكون كافياً للهروب من اتخاذ موقف صارم حيال عدم التوازن في استخدام الأسلحة، وإمطار المدنيين بالصواريخ البالستية وغيرها من أسلحة تستخدم على جبهات القتال وليس ضد المدنيين الآمنين، بدعوى إيوائهم للمسلحين بين ظهرانيهم.

ومع تجاوز الأسد للسقف المرتفع جداً الذي حدده أوباما له فيما سبق، يبدو أن التراجع عن التحذيرات أخذ منحى لغوياً أثبت فيه الرئيس الأميركي أنه «بليغ» حقاً وخطيب مفوه لا يشق له غبار، إذ إنه بلعبة لغوية بسيطة استطاع أن يشكك بمصدر السلاح الكيماوي وكيفية ووقت استخدامه.

 علماً أن الجميع بمن فيهم النظام يقر بأن مخزونات السلاح الكيماوي مؤمنة بشكل جيد، ولم تصلها يد الجيش الحر بعد، الأمر الذي جعل وزير الإعلام السوري يوجه أصابع الاتهام لتركيا باعتبارها مصدر السلاح الكيماوي الذي ألقي في خان العسل قرب حلب!

ويبدو أن اللعبة راقت للناطقين الإعلاميين والدبلوماسيين السوريين، الذين التقطوا التردد الدولي في تأكيد استخدام الأسلحة الكيماوية، فشنوا هجوماً معاكساً اتهموا فيه قوات المعارضة بهذا الاستخدام.

وطالبوا بأن تكون لجنة التحقيق التي طالب بها المجتمع الدولي روسية خالصة، لأن موقف روسيا حيادي حيال الأزمة، حسب تعبير وزير الإعلام ونائب وزير الخارجية السوري والمندوب السوري الدائم في الأمم المتحدة، وليس معادياً كما هو حال مواقف باقي الدول!

تصريحات

وزادت المقالات التي نشرتها صحف «ذي إندبندنت» و«ذي غارديان» وغيرها وتصريحات الكثير من المسؤولين الإسرائيليين والأوروبيين والتي تشكك في علاقة الرئيس بشار الأسد بإصدار الأمر بمثل هذا الاستخدام، زادت من ثقة مسؤولي النظام، الذين ذكر النشطاء أنهم زادوا من استخدام السلاح الكيماوي في الآونة الأخيرة بشكل أكثر من السابق، وخصوصاً في العتيبة قرب دمشق وسراقب في ريف إدلب داعمين أقوالهم بالأشرطة التي تثبت دعاواهم.

تبرير

ويجد بعض المسؤولين والمحللين الأوروبيين ذريعة أخرى لسحب التهديدات السابقة، بأن هذا الاستخدام تجريبي، وعلى نطاق محدود، وأن ضرره لم يصل إلاّ إلى أشخاص معدودين، ولذلك فإن قرار النظام، بحسب فهم هؤلاء، ليس استخدام هذا السلاح بل تجريبه لإدخال الرعب إلى قلوب المعارضين.

ويرى مراقبون سوريون أن هذه المواقف الغربية تعبر بشكل أو بآخر عن عدم الجدية في التعامل مع هذا الملف، فالنظام حسب اعتقادهم يدرك هذه الحقيقة.

ولذلك فهو يمضي في سياسة الأرض المحروقة في الكثير من المناطق، ويستجلب مقاتلين، من دول مجاورة وغير مجاورة، لسحق الثورة، مقابل صمت دولي مريب، يهدف إلى إنهاك المعارضة وتقوية النظام المتهالك، وصولاً إلى مرحلة توازن في القوى يمكن أن تؤدي إلى قبول الجانبين بالجلوس إلى طاولة المفاوضات للاتفاق على تنفيذ وثيقة جنيف، التي تصر روسيا عليها أكثر من إصرار النظام نفسه.