شرّع حديث الرئيس الأميركي باراك أوباما عن استخدام النظام السوري أسلحة كيماوية ضد شعبه الباب أمام سيناريوهات جديدة قد تحدد مواقف الدول الغربية من الأزمة السورية بشكل قاطع، حيث سبق أن انذر الرئيس الأميركي نظام دمشق من مغبة استخدام أسلحة الدمار الشامل، معتبراً أي انتهاكات في هذا السياق بمثابة تجاوز «الخط الأحمر» الذي رسمته إدارته.
بيد أن التصريحات الصادرة عن أوباما تشوبها المراوحة ما بين الخيار العسكري، المطلب الرئيسي لأغلبية القوى المعارضة المسلحة والائتلاف الوطني، وضرورة مواصلة المساعي الدبلوماسية مع موسكو في سبيل إيجاد تسوية سياسية والتي تنسجم مع التوجهات بعض القوى المعارضة المؤيدة للحل السياسي.
وهذان الخياران المطروحان في آن معاً من قبل الرئيس الأميركي دفع بالمراقبين في الداخل السوري إلى وصف تلك التصريحات بأنها «مشحونة بالكثير من اللغط». فهو من جهة يؤكد استخدام النظام السوري الأسلحة الكيماوية، ويطرح كافة الخيارات العسكرية على الطاولة، ومن جهة أخرى، يتشبث بالحلول السياسية مفضلاً السير بالطرق الدبلوماسية والحوارات مع الكرملين.
خطوات ولعبة
وتشير الوقائع الراهنة إلى أن كلا الخيارين لا يزالان في طور النضج، ولن يؤديا إلى تغير قواعد اللعبة في غضون الأيام المقبلة، طالما أن الإدارة الأميركية ترفض تقاسم النفوذ والمصالح مع موسكو، وتشدد، عبر المناقشات الدولية الجارية، على ضرورة تحديد مصير المنطقة بشكل عام وليس مصير الثورة السورية فقط.
وعليه، قد لا تبدو هذه التحركات الأخيرة سبيلاً نحو الخطوات الملموسة بنظر الشارع السوري، بل لعبة إعلامية جديدة يراد منها إطالة عمر الصراع الدموي في البلاد ريثما يحين الاتفاق بين الدول الكبرى.
استغلال النظام
وهذا التناقض الفاضح في مواقف واشنطن حيال ما يجري في سوريا، يستغلها النظام أحسن استغلال.
ففي المرة الأولى، عندما استخدمت دمشق الأسلحة الكيماوية في حمص، والتي كانت بنسبة ضئيلة وسريعة الزوال بحيث لم تتمكن أية جهة التأكد من استخدامها، كان الهدف إرسال رسالة إلى الخارج لمعرفة مدى جدية الدول الكبرى في تنفيذ وعودها.
وفي المرة الثانية والثالثة، تم استخدامها عبر رسالة مغايرة موجهة هذه المرة إلى الداخل لتخويف الثوار وزرع الرعب بين الشعب، لا سيما أن استخدام السلاح الكيماوي ضد الثوار لا يبدو غريبا عن النظام قياساً مع سلوكه.
خيارات واشنطن
لكن قد لا تبدو المماطلة والمراوغة لسان الحال الولايات المتحدة إلى ما لا نهاية.
فهي عازمة على المضي قدماً في الملف السوري، وتصر على أن تقود دفة مسار المجتمع الدولي من خلال الشقين العسكري والسياسي، حيث من المرجح أن تترجم تلك الخيارات المطروحة أمام وزارة الدفاع الأميركية إلى تحديد مناطق حظر جوي ورفع من وتيرة تزويد السلاح إلى المعارضة المسلحة في أمد قريب، تمهيداً إلى خلق توازن بين الثوار والسلطة إلى أن يحصل الاتفاق بين القوى المتصارعة على المنطقة في نهاية المطاف.
تغييرات المعارضة
وسيفتح هذا السيناريو بالضرورة الباب أمام تغيرات جذرية في جسم المعارضة.
فهناك تسريبات من الأروقة الدولية تشير إلى وجود مساعٍ غربية تحاول ترتيب وضع المعارضة المعتدلة والعلمانية، من خلال عقد مؤتمر عام تتمثل فيه كافة مكونات الشعب السوري لإيجاد قيادة تباشر الدخول في مفاوضات مع النظام، والذهاب إلى المرحلة الانتقالية إن أمكن بدون بشار الأسد، بحيث تكون هذه الحكومة قادرة على تأمين الأمن والاستقرار في المنطقة.
وإن فشلت واشنطن، كما يشير المحللون في تحقيق ذلك، فستشتعل في سوريا حرب مفتوحة تلقي بظلالها على جميع المنطقة، وستكون النتيجة كارثية على جميع دول الجوار أيضاً.
خلفية
رفضت دمشق استقبال فريق التحقيق الدولي الذي تم تشكيله في مارس بعد ان طلبت الأمم المتحدة بان تسمح له بالتنقل على كل الاراضي السورية ولا سيما في حمص وريفي حلب ودمشق، حيث وردت اتهامات باستخدام صواريخ مزودة برؤوس كيماوية، بينما تريد السلطات السورية ان يحقق الفريق فقط في عملية سقوط صاروخ قالت انه يحمل سلاحا كيماوياً في 19 مارس الماضي في بلدة خان العسل بريف حلب.