لم يسبق لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، طوال الأزمة السورية، أن وجدت نفسها تحت ضغوط محرجة وكاشفة كما حصل لها في الأيام القليلة الماضية.

قصة استخدام السلاح الكيماوي، وضعتها في الزاوية. الطوفان الإعلامي بشأنها ودخول «الكونغرس»، بما فيه بعض الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، على خطها وبقوة؛ زاد من صعوبة استمرار الإدارة في موقفها الرمادي. تبدّى لها أنها باتت محاصرة.

فكان أن اضطرت إلى تنفيس الضغوط من خلال منفذين: اعتراف نصفي وبعد تسويف بدعوى استكمال التحقيق، بأن أجهزة الاستخبارات الأميركية قد توصلت إلى اعتقاد «بدرجة أو بأخرى» بأنه جرى استعمال سلاح كيماوي، «بكميات محدودة» في سوريا، لكن الإدارة ربطت اتخاذ أي خطوة في هذا الصدد، بوجوب توفر «أدلة قاطعة» على مثل هذا الاستعمال، تقول إنها غير متوفرة حتى اللحظة.

 فالاعتقاد المبني على تقديرات شيء والإثبات شيء آخر، على ما قال وزير الدفاع الأميركي تشاك هايغل.

المنفذ الثاني، أنه طالما هناك حاجة لتثبيت التهمة بشكل حاسم، فلا بدّ من إجراءْ تحقيق دولي عن طريق الأمم المتحدة. الطرح سليم لكنه متأخر. عندما أثير الموضوع للمرة الأولى، كان ردّ واشنطن بأنها ستعمل على التأكد من التهمة، بواسطة أجهزتها الاستخباراتية، المعروفة بباعها الطويل في كشف ملابسات القضايا الغامضة، لما تملكه من إمكانات وخبرات مشهود لها بقدراتها.

الآن وبعد محاولات في هذا الصدد، هي تميل إلى تكليف الأمم المتحدة بهذه المهمة؛ التي يقول المراقبون بأنه ربما تطلب إنجازها عدة أشهر أو أكثر.

المسألة بالنسبة لإدارة أوباما، ليست الكيماوي أو أسلحة تقليدية. المسألة أنها لا تنوي التدخل في الأزمة السورية. فالرئيس جاء حاملاً شعار قفل باب الحروب والتدخل العسكري في الخارج. يريد أن يكون هذا التوجه أحد أهم علامات تركته.

ثم إن التدخل لا ينسجم مع التصور الأميركي العام بأن الأفضل لواشنطن أن تكتفي بإدارة اشتباك المنطقة مع نفسها. فذلك يعفيها من عواقب وكلفة التدخل الذي ثبت خطؤه في العراق؛ وفي ذات الوقت يبقيها في موقع يمكنها من ضبط التوازنات والتحكم فيها.

خط أحمر

المشكلة التي تواجه إدارة أوباما الآن والتي تستخدمها دوائر عديدة للضغط عليهاّ، لها وجهان: الأول أنه سبق للرئيس أوباما أن تورط بإلزام نفسه بالتعامل مع استخدام الكيماوي في سوريا وكأنها خط أحمر ممنوع تجاوزه.

أي أنذر بالرد المناسب والمباشر عليه، من دون أن يحدّد درجة هذا الاستخدام. بذلك أصبح ملزماً بتحديد وتنفيذ هذا الرد طالما اعترفت إدارته ولو مواربة بحصول اللجوء إلى سلاح كيماوي، بصرف النظر عن مفاعيله وحجم خسائره.

الثاني أن التراجع تسبب لواشنطن بإحراج دولي. ذلك أن بروتوكول جنيف الصدار في العام 1925 قضى بحظر استعمال السلاحين الكيماوي والبيولوجي. ثم جرى التأكيد على ذلك في مؤتمر السلاح البيولوجي في العام 1972 والكيماوي في 1993. في المؤتمرين جرى التوافق على استبعاد السلاحين من ساحة الحروب بعد الآن أي جرى منعهما.

الالتزام بهذا الحظر، مهما كانت نسبة السلاح المستخدم ضئيلة، يفرض التعاطي معه على انه أمر محظور. بخلاف ذلك يصبح الباب مفتوحاً لزجّ هذا السلاح في المعارك والحروب اللاحقة وبما يفسح المجال بعودة فظائع الحرب العالمية الأولى إلى الميدان.

مسؤولية الولايات المتحدة وبالذات هذه الإدارة أن تتصدّى لمثل هذا التجاوز الذي اعترفت بأنه قد حصل. ولو على نطاق ضيّق. وهنا المأزق بالنسبة للبيت الأبيض.

 

لا تدخل

من المؤكد حتى الآن أن الإدارة الأميركية عازمة على عدم التدخل في الأزمة السورية. ولا حتى من خلال الكيماوي. وفي ذات الوقت تطاردها الضغوط التي يأمل أن تخف مع تراجع التصويب على الكيماوي، مع التطلع بأن لا يتكرر اللجوء إلى هذا السلاح بعد الآن.