يزداد التوتر في تونس بين رئيسها منصف المرزوقي والإسلاميين فيها، فالرئيس يتهمهم بمحاولة السيطرة على السلطة بطرق غير صحيحة، فيما يحضرون بالمقابل للإطاحة به عن طريق سحب الثقة منه، ما يمثل أزمة سياسية كبيرة في البلد «المهد» لما سمي بالربيع العربي. رغم أن التفاؤل كان القاسم المشترك الجامع بين جل التونسيين الذين كانوا يعتقدون أن تونس وضعت أخيراً على المسار الصحيح المؤدي إلى بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية المنشودة.
والمسألة هنا تكمن في أن المجلس التأسيسي هو الذي اختار الرئيس، وفيه الأغلبية إسلامية من حزب «النهضة»، فقد بدا لهم المعارض السابق المرزوقي المدافع عن حقوق الإنسان الشخصية المناسبة بل المثالية في منصب رئيس الجمهورية في الفترة الانتقالية من الديكتاتورية إلى الديمقراطية.
كل هذا وغيره أعطى أملاً كبيراً للتونسيين بأنّ رئيسهم الجديد المؤقت ورغم محدودية صلاحياته، سيكون «منقذ» هذه الفترة الانتقالية الصعبة التي أنهكتها الاضطرابات الاجتماعية وخنقها التجاذب السياسية وفشل «الترويكا» في التعاطي مع كل القضايا المجتمعية، وبأنه سيكون عنوان تسامح وتجميع لكل التونسيين دون استثناء، وإنهاء كل ما من شأنه تفريقهم، خاصة مع بروز أصوات قسمت المجتمع التونسي إلى فئتين فئة مسلمة وفئة ملحدة ضالة.
إلا أن الرئيس المؤقت لم يحقق ما كان متوقعاً منه من قبل الشعب بعد برودة مواقفه وخطاباته وتدخلاته في الشأن الوطني، خاصة تجاه الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها الحكومة السابقة في تعاطيها الأمني مع مظاهر العنف السلفي، وامتداده الذي أهلك البلاد من حادثة العبدلية إلى الاعتداء على مقرات الأحزاب وإفساد اجتماعاتهم مروراً بالاعتداء على مقر الاتحاد العام التونسي للشغل إلى تصفية المعارض شكري بلعيد، ما جعل البعض يقول إنه «ألعوبة» في يد «النهضة» وأتباعها التي جاءت به إلى الحكم. مجرداً من جل الصلاحيات التنفيذية.
واليوم يعلن المرزوقي «ثورة» كبرى على «رفاق الأمس» وقد تحولوا اليوم إلى أعداء موعودين بالمشانق التي ستنتصب لهم في الشوارع، ما يؤكد أن الرئيس المؤقت نزع عباءته القديمة وحصن نفسه قبل إعلانه الحرب على خصومه، لكن ذلك جلب له متاعب جديدة بانقلاب «الـتأسيسي» عليه، بمحاولة سحب الثقة منه رغم أن هذا الأخير كان الداعم الرئيسي في ترشيحه للرئاسة الانتقالية، ما يؤكد للعيان أن تونس لم ترتق بعد إلى دولة مؤسسات بل هي رهينة الخلافات السياسية التي جعلتها لا تستفيق من الأزمات.
لكن المؤكد أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي سيكون المتأثر الأبرز بهذه التحولات، وأمام هشاشة الدولة التونسية ومؤسساتها، وعدم تشكل النظام السياسي الجديد بشكل كامل، فإن مفاجآت الشارع تبقى الأخطر على استقرار البلاد.
ويُجمع جانب مهم من الرأي العام في تونس على أن سياسة التداين التي باتت تلجأ إليها حكومات النهضة لن تزيد البلاد إلا تبعية إلى الخارج وتؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. وأن الحل للخروج من هذه الأزمة الاقتصادية هو الخروج من الأزمة السياسية، وذلك بتحديد مواعيد سياسية دقيقة ضمن خارطة طريق تنهي المرحلة الانتقالية الثانية، وبكف حركة النهضة عن محاولة الهيمنة على دواليب الدولة. فأغلب الوكالات التي خفضت تصنيف تونس الائتماني تجمع على أن السبب يعود إلى ضبابية المشهد السياسي التونسي الذي تحمّل المعارضة مسؤوليته للحكومة.