بتجرّد ودون مواربة أو غطاء يتوارى تحت غطاء المهنية، فإن الكتابة عن كركوك يصعب الحياد فيه كما يصعب الحديث بمنطق تاريخي وقانوني يحفظ لجميع الفئات المطالبة بها حقوقها ومشروعية وجودها، ولأن الهزيمة «يتيمة» والنصر له ألف أب، فكذلك كركوك ابتليت بهذا البلاء، فهي تمثل النصر الجيولوجي الأول على خارطة الاستكشافات البترولية الحديثة في العراق.

ولعل الإنسان البسيط في أرض الرافدين يلقي تساؤلاً على شكل تهمة لكل الأطراف السياسية المتصارعة في بلاده على هذه المدينة المبتلاة: هل كنتم ستتصارعون على كركوك لولا وجود الخزين البترولي والغازي فيها.

ولئن كان «أبَوَا» كركوك من عرب وأكراد ألقوا بحججهم ووثائقهم حول أحقيتهما في المدينة بحكم سيطرة الطرف الأول في المعادلة على قبضة الحكم في الحكومة المركزية منذ نشوء الدولة العراقية 1920 ولغاية الآن، بينما يتحكم الطرف الثاني بثلاث محافظات هي رأس العراق ومنفذه إلى تركيا وأوروبا، فإن طرفاً ثالثاً هو التركمان يبدو أن صوته ضاع في المعادلة التي يسمع لها قعقعة السلاح في كل آونة.

ولعل هذا الطرف ومعه فئات أخرى من: الكلدو آشور والسريان والأكراد الفُيلية الذين لهم قصة مؤلمة في الخليط العراقي، يبدو أن هذه الأطراف المنسية جميعاً يقال لها حين تطرق «خضراء» بغداد أو «قلعة» أربيل: «نعلم أن تسعة من أصل كل عشرة منكم يكرهوننا ولكن ما الفائدة إن كان العاشر وحده مُسلّحاً»، معيدين عليهم مقولة داهية بريطانيا كرومويل فيعودون بخيبة الأمل.

نار وأزمة

ولأن الحديث يطول عن كركوك وأزمتها المزمنة التي تراكمت عبر عصور الملكية المقتولة في «قصر الزهور» وعبدالكريم قاسم المُلقى جسده في نهر ديالى ومروراً بالمخلوع صدام حسين الذي ترك البلاد خراباً وأثراً بعد عين، فإن التفصيل في مدينة «النار الأزلية» يعد ضرباً من البحث عن إبرة في قنطارٍ من القش، إلا أن المحور الأساسي حالياً، هو إصرار الجانب الكردي على تطبيق المادة 140 من الدستور بشأن كركوك.

ومالا يعرفه الكثيرون أن اللجنة التي جرى تشكيلها لتنفيذ المادة المذكورة منحت تعويضات مالية لآلاف العائلات من الأصول العربية (التي أسكنها صدام في المدنية ابان حربه مع إيران) حيث عادت إلى مناطقها في غرب ووسط وجنوب العراق.

ويأتي الإصرار الكردي على تطبيق المادة 140 وسط خلل ديموغرافي واضح، حيث تفيد تقارير وإحصائيات بأن القوى السياسية الكردية استغلت الصراع العربي بين السنّة والشيعة طيلة السنوات التي أعقبت الغزو في 2003 لتمدد نفوذها في المدينة وأطرافها وتوطين آلاف الأكراد بحجة أنهم مهجّرون منذ أيام صدام.

قنبلة موقوتة

إن المادة 140 والمادة 58 بشأن إدارة المناطق محل الخلاف اللتين فرضتا أيام الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، كانا بمثابة قنبلة موقوتة يمكن أن تتفجر في أية لحظة في المستقبل الغامض الذي ينتظر العراق، ولئن أطاحت قضية كركوك برئيس التحالف الوطني الحالي إبراهيم الجعفري وأقصته من أن يكون رئيساً للوزراء بسبب مواقفه من تنفيذ اتفاق المواد مع التحالف الكردي.

فإن الحكومة العراقية المركزية في بغداد ومعها حكومة إقليم كردستان والأطراف السياسية الأخرى مسؤولة عن تحديد شكل المدينة وإنهاء أزمتها بكافة الطرق والوسائل السلمية والقبول بمبدأ التعايش بين جميع المكونات ولكن دون تعدٍ أو إقصاءٍ للآخر والاستقواء عليه والتلاعب بدماء الناس لأغراض سياسية وفئوية بحتة فإن السحر ينقلب على الساحر دائماً.

تاريخ عريق

 يعود تاريخ مدينة كركوك إلى قرابة 3000 قبل الميلاد، وبسبب أهمية موقعها الجغرافي شهدت المدينة معارك عديدة بين الإمبراطوريات المتصارعة التي سيطرت على كركوك وتعاقبت على حكمها. وكان من نتائج ذلك تعدد الأعراق والأديان فيها.

حيث يقطنها العرب والأكراد والتركمان والسريان، كما تعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود جنباً إلى جنب. ويذكر آخر إحصاء أجرته السلطات العراقية أيام العهد الملكي في 1957 بحسب اللغة الأم أن السكان قسموا إلى الفئات التالية:

الفئة العدد

التركمانية 45,306 نسمات

الكردية 40,047 نسمة

العربية 27,127 نسمة

السريانية 1,509 نسمات

العبرية 101 نسمة

أخرى 330.6 نسمة

المجموع 420.120 نسمة