جاءت استقالة أحمد معاذ الخطيب عشية مؤتمر أصدقاء سوريا في إسطنبول لتزيد من حجم إحباط السوريين وتلين من عزيمة الثوار، كونه من أكثر الشخصيات المحببة التي دخلت ميدان السياسة السورية في أصعب الظروف، وخطف قلوب السوريين لما صدر عنه من مواقف من قبيل الجرأة والشفافية في طرح القضايا الأكثر حساسية، سيما تلك الأجندات المتعلقة بالدول التي تزعم بأنها صديقة للشعب السوري، فضلاً على حرصه الشديد على وحدة المكونات السورية، ومحاولاته الحثيثة في سبيل إيجاد مخرج تفاوضي يحقن دماء السوريين، ويضع حداً للتراجيدية السورية المستفحلة منذ أكثر من عامين.
وبات الخطيب يعرف بين السوريين كشخصية ثائرة أكثر من كونه سياسياً، وعليه، فسروا قرار استقالته كونه أدرك انسداد الآفاق أمامه.
مرارة الشيخ
ويقول الناشط السوري محمد الجمال: «لو لم يكن الشيخ ملتزماً برضا الله لوضع طلقة في رأسه، لأن المرارة التي يعيشها منذ طرح مبادرته كبيرة جداً، وعلينا أن ننصفه ونطلق عليه ثائر حر وصادق».
ويرجع المحللون سبب استقالة الخطيب جراء الضغوط المتقاطعة التي يتعرض لها من يتسلم موقع المسؤولية في القضية السورية، من خارج الائتلاف وبشكل خاص من داخله، والشللية التي تميز عمل السوريين، والتي تدفع كل فريق إلى شد البساط نحوه، غير عابئ بأي مصلحة عامة ومفتقر لروح المسؤولية، والعمل للشعب والناس والوطن.
وأمام هذا المتغير داخل جسم المعارضة، سعت بعض الأطراف من المعارضة الداخلية إلى رفع همم الثوار، معتبرة أن استقالة الخطيب من الائتلاف لا تعني البدء برثاء الذات، وندب الواقع وتخوين الائتلاف، ولا تستدعي الهجوم عليه شخصياً لاستقالته واتهامه بالعبثية والنرجسية.
وبنظر هؤلاء لا بد أن ترتقي المعارضة والثوار إلى العمل المؤسسي الذي يقوم على العقل الجمعي وعلى منطق فريق العمل، وليس على استئثار الفرد بالأدوار كافة، وضرورة احترام قرار كل فرد في أسلوب تحمل مسؤولياته وفي خياراته داخل مؤسسته مادام لا يخرج عن روح القانون وعن الوفاء للوطن، وعن المبادئ الأخلاقيّة المتفق عليها.
مجرد شخص
وترى هذه الأطراف أن معاذ الخطيب رجل وطني مناضل؛ لكنه في النهاية مجرد شخص ولا يختزل الثورة وحده بشخصه. واحترامه ومحبته لا يعنيان النظر إليه برومانسية البطولة، وبأنه وحده يحمل الثورة على كتفيه وفي قلبه. هو ليس الثورة، وأي فرد غيره ليس الثورة. وأي جماعة مستقلة ليست الثورة. معتبرة أن الثورة قوة جمعيّة تحركها وتفجرها البنية المجتمعية للشعب السوري وللشعوب العربيّة. كما أن الثورة لا تتوقف وتنتهي عند شخص أو جماعة أو حزب أو فئة بحسب زعمهم.
ورغم هذا التفاؤل بالعمل المؤسساتي، إلا أن انتقادات لاذعة وجهت لمسار عمل الائتلاف على خلفية استقالة الخطيب، وذلك أن دوافعها جاءت نتيجة التسيب الحاصل داخل الائتلاف، وتنفيذها رغبات الداعمين لها، وكون الخطيب الذي انطلق من الداخل لا يستطيع تحمل المناورات، أو أن يرتضي بأن يكون حصاناً يمتطيه الآخرون لتحقيق مآرب معينة.
كما أن تعيين جورج صبرا رئيساً للائتلاف، كان مؤشراً محبطاً حسب اعتقاد بعض المحللين، حيث إن صبرا لم يستطع إدارة المجلس الوطني السوري، ولم يحقق معجزات على مستوى أداء الثورة، فكيف سينجح في إطار أوسع من إطار المجلس الوطني.
مؤشران
استقالة الخطيب وتعيين صبرا يشيان بسوء أحوال المعارضة السورية، وفي الوقت نفسه يشيان بمدى التغلغل الإقليمي والدولي في العملية الثورية، وهذا يتعارض مع تطلعات الثوريين السوريين، حيث ثمة مصالح تحدد اللعبة المرحلية على حساب الشعب السوري الذي ينزف دماً منذ أكثر من عامين. البيان