يروي أبو معاوية، وهو فلاح يعيش في منطقة جباتا الخشب المتاخمة للحدود السورية الإسرائيلية في محافظة القنيطرة، معاناته مع قوات النظام السوري. ويقول: «شبح الموت والمجاعة يطرق أبوابنا ونحن محاصرون في بيوتنا منذ مدة طويلة. قناصة النظام المتمركزة في الأبنية العالية تقنص كل من يرتاد الحقول الزراعية بذريعة إيواء الجيش الحر. مرّ هذا الموسم ونحن عاجزون عن زرع أراضينا وسقايتها، كما نفد ما تم تخزينه من محصول العام الماضي».

ويقول أبو معاوية إن الفلاحين اجبروا على المكوث في منازلهم خشية استهدافهم من قبل القوات النظامية المنتشرة في قرية تل الأحمر الواقعة تحت سيطرتها. ويروي بأن جاره «كان في طريقه إلى حراثة حقله قبل أسبوعين لزرع القمح والخضروات الصيفية، بيد أن القناصة ومن مسافة اربعة كيلومترات أسقطوه قتيلاً على مشارف الحقل».

ويفسر أبو معاوية هذه الممارسات بأنها تدخل في إطار «عقاب جماعي ممنهج بحق السكان»، موضحاً: «يبثون الذعر في قلوبنا، توقف المصرف الزراعي في البلدة في تقديم الخدمات التي كانت تمد الفلاحين بالبذار والسماد والمحروقات والقروض، والآن بعد قتل أكثر من مزارع بطريقة مروعة وسط حقولهم، يريدون تجويعنا».

إتلاف المحاصيل

ويقول أبو فراس الجولاني، الذي يملك قرابة ألف شجرة مثمرة بجوار البلدة: «غالبية الناس تسترزق من الزراعة. نادراً ما تجد شخصاً يعمل موظفاً». ويضيف: «تدهورت المحاصيل الزراعية بنسبة تصل إلى 95 في المئة. حتى المراعي والأبقار تم نهبها، وقصفها من قبل الجيش النظامي».

ويؤكد الجولاني أن «المحاصيل الشتوية بكاملها تم إتلافها وحرقها من قبل النظام»، مستطرداً: «لم نحصد المحاصيل الشتوي، كما لم نستطع الاعتناء بالأراضي والأشجار المثمرة بسبب التدهور الأوضاع». ويضيف: «معظم الأراضي الخصبة تتحول إلى مساحات قاحلة، والأشجار المثمرة بدأت تذبل من ندرة السقاية»، موضحاً: «النظام يهدف إلى تجفيف الإمدادات على الجيش الحر، وترهيب المواطنين بعدم مد يد العون لهم». ويتابع: «فيما لو طال مدة الحصار ربما سنشهد أياماً مأساوياً تهلك الناس، وتدفعهم إلى المجاعة».

فكي كماشة

ويشكل الموقع الجغرافي للمنطقة عقبة رئيسية في وجه الفلاحين والقاطنين معاً. فمن الجهة الغربية، تحكم القوات الإسرائيلية رقابة صارمة على الحدود، بحيث تحد من قدرة نقل المواد الزراعية والمحروقات من الخارج عكس المناطق الحدودية المطلة على البلدان الأخرى.

وفي الوقت ذاته، يحاصر النظام المنطقة من الطرف الشرقي، ويمنع عنها أي نوع من المساعدات الغذائية والزراعية. كما أن المؤن المخزونة لدى الأهالي تلفظ أنفاسها الأخيرة. ويقول سعد الدين، الذي كرس حياته في فلاحة قطعة أرض ورثها عن أبيه: «كنا نخزن المؤن السنوية مما نزرعه ونأكل مما نحصده. نزح نصف سكان البلدة، لكنني لا أريد ترك أرضي».

ويردف: «جني المحصول الزراعي كان بمثابة الرئة الوحيدة للسكان، وحالياً نتقاسم رغيف الخبز فيما بينا»، مستطرداً: «المنظمات الإغاثية والدعم الخارجي خذلت الأهالي. وكأن هذه المنطقة مقطوعة من الخريطة السورية».

 

لمحة

تشتهر منطقة جباتا الخشب بزراعة الأشجار المثمرة والحبوب. وترفد الأسواق السورية بمختلف صنوف الفواكه. ومع اشتداد القتال بين القوات النظامية ومقاتلي المعارضة في الجبهة الجنوبية الغربية من البلاد، وانحياز الأهالي إلى صف الجيش الحر حال دون جني الفلاحين محصولهم السنوي بسبب ما تكبد القصف العشوائي من أضرار بالأراضي الزراعية.

وأكدت بعثة خاصة من الأمم المتحدة أن الصراع في سوريا أثر بشكل كبير على القطاع الزراعي وتراجع إنتاج المحاصيل إلى النصف تقريباً، فيما لحق دمار هائل بنظم الري وغيرها من مرافق البنى التحتية. البيان