بدأ الجدل بالمشهد السياسي المصري يستعر خلال الفترة الحالية بقوة بشأن الأطروحات الخاصة بإجراء مُحاكمات ثورية لرموز النظام المصري السابق، وهي الأطروحات التي تمخضت في الأساس عقب صدور سلسلة من أحكام البراءة أو قرارات إخلاء السبيل لصالح بعض هؤلاء الرموز وعلى رأسهم الرئيس السابق حسني مبارك نفسه، الذي بدا وكأنه قاب قوسين أو ادنى من الإفراج.

وعقب أن عززت قرارات القضاء المصري بإخلاء سبيل مُبارك من قضيتي قتل المتظاهرين وكذلك الكسب غير المشروع والفساد المالي، تسابق محللون وخبراء ومن بينهم أعضاء بارزون بجماعة الإخوان لطلب إجراء مُحاكمات ثورية لرموز النظام تماشياً مع الروح الثورية في مصر، لكن عددًا كبيرًا من صفوف المعارضة المصرية قد أبدوا تخوفاتهم بشأن إمكانية أن تخلق تلك المحاكم نظاما ديكتاتوريا سياسيا جديدا بغطاء «ثوري»، أو أن توجه إليهم مستقبلاً بحجة التنكيل بالمعارضين وإقصائهم من المشهد السياسي في مصر بشكل عام.

خلق ديكتاتورية

ويرى مراقبون أن إقرار المحاكمة الثورية في مرحلة تم خلالها إقرار الدستور يُعد إهداراً لدولة القانون، ويُسهل السبيل أمام السلطات الحاكمة من أجل خلق ديكتاتورية جديدة بغطاء الثورية، وهو الأمر الذي أشار إليه الناطق باسم اتحاد شباب الثورة هيثم الخطيب، قائلًا: «لا يجب إعمال تلك المُحاكمات في مرحلة يطالب فيها الجميع بإعلاء كلمة القانون ودولة القانون في المشهد المصري، والتي كانت نفسها أحد مطالب ثورة الخامس والعشرين من يناير».

وفي السياق ذاته، أشار عضو مجلس أمناء التيار الشعبي أمين إسكندر، في تصريحات إلى «البيان»، إلى أنه كان من المفترض أن يتم إحالة الرئيس السابق ورموز نظامه إلى محاكمات ثورية عاجلة من أجل معاقبتهم على ما ارتكبوه من أخطاء سياسية جنائية طيلة فترة الحكم، لكن القوى السياسية فضّلت أن تسلك سبيل القانون وانتصرت لدولة القانون ومن ثم تم محاكمتهم أمام محاكم عادية، لكن ذلك في الأخير كان لها تأثيرات سلبية وخيمة جداً في مسار القضايا التي يُحاكمون فيها، ما أدى في الأخير لحصول بعضهم على أحكام بالبراءة وإخلاء السبيل.

المحاكم الثورية

ويؤكد قانونيون أن المحاكم الثورية غالباً ما تكون عقب الثورات مباشرة، خلال المراحل الانتقالية، ومن ثم ففي حال ما أعلن النظام المصري الحاكم الآن لجوءه للمحاكم الثورية للتنكيل بالرئيس مبارك ورجاله؛ فإن ذلك سيضع النظام في مرمى الانتقادات والهجوم الشديد والقوي من قبل مختلف القوى السياسية، وخاصة أنه سيكون قرارًا مُتأخرًا للغاية، وقد تكون نتائجه سلبية على طبيعة العلاقة بين النظام والمعارضة، وخاصة أن المحاكم الثورية عادة ما يشوبها بعض المغالطات وحالة من الجدل، وقد يستخدمها النظام في تصفية حساباته مع بعض الرموز والقوى السياسية المعارضة له حالياً، الآن أو مستقبلاً.

ومن جانبه، أوضح مساعد رئيس حزب الغد (أحد أبرز الأحزاب الليبرالية في مصر) وائل النحاس، في تصريحات لـ«البيان»، أن المحاكم الثورية أو الاستثنائية تكون عقب الثورات في مرحلة انهيار مؤسسات الدولة وتعطيل العمل بالدستور، ومن ثم فلا مجال لتطبيقها الآن، وخاصة أنه حال تطبيقها سوف يضع النظام أمام مرمى نيران محكمة العدل الدولية، وخاصة أن مصر بها مؤسسات حاليًا وبها دستور تم إقراره من قبل الشعب، مشيراً إلى أن الرئيس مرسي قد أسس نيابة الثورة لتقصي الحقائق حول الثورة وأحداثها.

استفتاء شعبي

اقترح مراقبون أن يتم عمل استفتاء شعبي موسع لأخذ رأي الشارع المصري وفق المادة 150 من الدستور في إعادة محاكمة الرئيس السابق وأعوانه من عدمه، وهي الحالة الوحيدة التي يمكن فيها إعادة المحاكمة دون وجود أدلة جديدة.