رغم شيوع مقولة مصرية تنادي بـ«لا تعليق على أحكام القضاء» إلا أن السلطة القضائية والتي كان يفترض أن تظل بعيدة عن السجالات السياسية غدت في مرمى نيران السلطة والمعارضة. فعقب أي حكم قضائي يتبارى أنصار كلا الطرفين في التعليق على الحكم سواء تأييدا أو معارضة حسب اتفاق الحكم على هواه.

ومنذ سقوط الرئيس السابق حسني مبارك في فبراير من 2011، وساحات القضاء غدت صدى لحالة الاشتباك السياسي. ففور صدور أي حكم يتبارى أنصار السلطة والمعارضة في الهجوم على القضاء مقدمين (من وجهة نظرهم) مسوغات الهجوم التي لا تخلو عادة بمبررات مدفوعة من قانونيين ودستوريين ينتمون لهذا الفريق أو ذاك.

وشهدت الساحة سجالا ربما لن ينتهي في المنظور القريب، إزاء العديد من القضايا التي فجرت انقساما ليس بين أهل الساسة فحسب بل في الشارع الذي يأن تحت وطأة أزمات اقتصادية تبحث عن مخرج وعن صوت للعقل بين أهل الساسة.

محطات

والمحطات القضائية التي قسمت الشارع المصري أكثر من أن تحصى، إلا أن أبرز هذه المحطات بدأ بقرار المحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب (الغرفة الأولى للبرلمان الذي كان يهيمن عليه الإسلاميون) وذلك في شهر يونيو من العام الماضي خلال فترة حكم المجلس العسكري الذي أدار البلاد لقرابة العام ونصف. وكان بداية لـ«تسونامي» هجوم كاسح لم يتوقف حتى على السلطة القضائية.

فمؤيدو القرار رأوا فيه أنه انتصارُ لإتاحة الفرصة أمام المستقلين والأحزاب وعدم ترشح المنتمين للأحزاب في القوائم الفردية لتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص. وتبارى أنصار هذا الفريق في الزود عنه وتقديم كافة الدعم للحكم القضائي الذي أطاح بأول مؤسسة منتخبة عقب الثورة.

لكن في موازاة ذلك، وقف أنصار الطرف الآخر الرافض للحكم وعلى رأسهم أعضاء البرلمان ضد القرار، بحجة أن المحكمة من شأنها إبداء رأيها في قانون الانتخابات سواء كان دستوريا أو غير دستوري وليس إصدار قرار إزاء مؤسسة منتخبة.

كما دافعوا بحجة أن المحكمة كانت تستغرق في مثل هذه القضايا أعواما وصلت في بعض الحالات لتسعة أعوام. وأقر المجلس العسكري آنذاك حكم المحكمة الدستورية وحل البرلمان وسط انقسام بين مؤيدين ومعارضين للحكم.

جدل عودة البرلمان

وفور صعود الرئيس محمد مرسي إلى سدة الحكم اتخذ قراراً بعودة البرلمان للانعقاد ما فجرّ جدلا واسعا، وتسابق أنصاره ومعارضوه إلى ساحة القضاء مجددا للحصول على حكم يبطل أو يعزز قراره. وجاء الحكم مؤيدا لقرار المحكمة الدستورية السابق بحلّ البرلمان وإيقاف تنفيذ قرار مرسي.

مجزرة بورسعيد

ومن بين أبرز المحطات التي أحدثت انقساما واسعا في الشارع هو الحكم في ما عرف إعلاميا بـ«مجزرة بورسعيد» والتي حكم فيها بالإعدام على 20 شخصاً لإدانتهم في أحداث جرت عقب مباراة بين ناديي الأهلي والمصري البورسعيدي والتي راح ضحيتها قرابة 70 شخصا في أسوء كوارث كرة القدم.

والبعض رأى أن الحكم جاء استجابة لضغوط أعضاء رابطة مشجعي النادي الأهلي «ألتراس»، والذين هددوا بردود خارج السيطرة إذا ما جاءت الأحكام غير مرضية لهم. لكن في موازاة ذلك، رأى البعض الآخر أن هذه الأحكام انتصار للعدالة التي غابت عن كثير من القضايا، حسب رأيهم.

براءات وانتقادات

ومن بين الأحكام الماثلة التي هوجم القضاء على خلفيتها هو براءات العديد من المتهمين في قضايا «قتل المتظاهرين» خلال الثورة التي راح ضحيتها وفقا للإحصائيات الرسمية 946 قتيلا وأكثر من 3000 جريح. فالبعض يرى الأحكام «مسيسة» والآخر يراها تقصيرا من قبل السلطة التنفيذية المخولة بتقديم أدلة كافية ودامغة للقضاء للحكم في مثل هذه القضايا.

وما يعرف بـ«محاكمة القرن» شاهد حيّ على هذا السجال. فعقب تنحي المستشار حسن عبدالله عن نظر جلسات إعادة محاكمة الرئيس السابق حسني مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي و6 من كبار معاونيه «لاستشعاره الحرج»، تبارى مؤيدو القرار بالدفاع عنه ليس حبا في القرار، وإنما اتهاما للقاضي لأنه «برأ متهمي ما يعرف إعلاميا بموقعة الجمل». بينما انتقد البعض القرار باعتبار أن القاضي يجب عليه أن يحكم وفقا لم يرتأيه من أدلة ولا يتأثر بالضغوط السياسية القائمة.