بعد قرابة خمس سنوات من إطلاق الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي مشروع الاتحاد من أجل المتوسط الذي يضم 43 دولة (دول الاتحاد الأوروبي الـ27 إضافة إلى تركيا وإسرائيل والدول العربية المطلة على البحر المتوسط) لاتزال هذه المبادرة تواجه تحفظات لدى العديد من الدول، حتى أن الفكرة ولدت ميتة على اعتبار أن الخلافات السياسية حول القضية الفلسطينية جعلت الاتحاد جامدا.
وتأجلت قمة «الاتحاد من أجل المتوسط» الثانية إلى أجل غير مسمى من طرف الرئاسة الفرنسية بعد تعثر مسار التسوية السلمية في منطقة الشرق الأوسط بما يمثل إعلان نهاية مشروع الاتحاد وفشل فكرته، وبالتالي فإن المشروع الذي أراد نيكولا ساركوزي أن يكون وريثاً ومنقذاً لمشروع الشراكة الأوروبية المتوسطية، أو ما عرف باسم عملية أو مسار برشلونة، يلاقي المصير ذاته نظراً لأن آفاق إنعاشه في المرحلة المقبلة محدودة، في ظل تأزم الصراع العربي الإسرائيلي وانسداد آفاق الحل السلمي.
واستضافت مدينة مارسيليا الفرنسية الأسبوع الماضي أول قمة لرؤساء البرلمانات الأوروبية - المتوسطية، وهي أول حدث من نوعه ومن هذا المستوى منذ قمة إطلاق «الاتحاد من أجل المتوسط» في صيف العام 2008. والأهم من ذلك، أنها أول حدث أوروبي - متوسطي منذ انطلاق «الربيع العربي» الذي أفضى إلى تحولات جذرية في العالم العربي إلا أنها لم تخرج بقرارات تعيد انعاش الاتحاد حيث كان اجتماعا روتينيا طبع عليه الطابع البروتوكولي.
واعتبر الأوروبيون أن هدف الاتحاد المتوسطي الجديد هو رأب الصدع المتزايد بين ضفتي المتوسط على مختلف الصعد، السياسية والاقتصادية والثقافية، من خلال التركيز على تحقيق مشاريع ملموسة، تخص ميادين التعاون الاقتصادي والبيئة والهجرة والأمن والحوار الثقافي، وبما يمكّن الاتحاد من تجاوز الأسباب التي أدت إلى فشل مسار برشلونة.
واعتقدت الإدارة الفرنسية أن خلق الروابط مع بلدان المغرب العربي، ومعها باقي الدول العربية التي تطل على البحر الأبيض المتوسط، يمكن أن يتم من خلال استخدام لغة العواطف والذاكرة والتاريخ لتمرير أهداف خفية، إلا أن الدول العربية ما فتئت .
وأن اقتنعت أن المشروع الأوروبي يخفي أهدافاً مركزية، تتمحور في ضم إسرائيل إلى المشروع الإقليمي، وتطبيع العلاقة معها، بوصفها دولة متوسطية مهمة، لها علاقات مميزة من دول الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن اتفاقات الشراكة الاقتصادية معها وعلاقتها العسكرية بحلف شمال الأطلسي، وهو أمر لا ترتقي إليه أي من الدول العربية. وبالتالي فإن ضم إسرائيل إلى مشروع الاتحاد من أجل المتوسط يفضي إلى الالتفاف على القضية الفلسطينية.
لكن هذا السبب لا يفسر لوحده فشل المشروع، لأن هناك جملة من العوامل السياسية والاقتصادية، إضافة إلى وجود خلافات داخل دول الاتحاد الأوروبي نفسه حول فكرة المشروع وجدواه، لذلك يعتبر عديد من الأوروبيين أن فشل هذا الاتحاد يرفع عنهم الحرج، نظراً لعدم تحمسهم لدعم فكرة المشروع منذ الانطلاق، حيث اعترضت منذ البداية - ألمانيا ومعها عدد من بلدان أوروبا الوسطى والشرقية، على انفراد ساركوزي بالمشروع، فأدخلوا عليه تعديلات.
ويمكن القول إن من أسباب فشل الاتحاد تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية، وتأثيرها في معظم الدول الأوروبية، إضافة إلى عدم التزام الدول الأوروبية بتقديم المساعدة الكافية لدول المغرب العربي لمحاربة الهجرة غير الشرعية التي ادت الى غرق الآلاف في البحار.