على خلفية شل أعمال الطبقة التجارية في مدينة حلب التي تعتبر العاصمة الاقتصادية لسوريا نتيجة القصف المنتظم للقوات الموالية للنظام، وفرار غالبية أصحاب رؤوس الأموال إلى الخارج، بدأت تظهر شريحة من التجار الذين تعطلت أعمالهم لمزاولة العمل الذي كان يمتهنه الفقراء، مثل البيع على الأرصفة.

أبو باسل صناعي كان يدير إحدى شركات الملابس الداخلية في حي بستان القصر، أجبرته آثار الحرب بأن يفرش ما تبقى من بضاعته القليلة على بسطة تصل طولها إلى أربعة أمتار، قائلاً: «كنت أملك ثلاثة مستودعات في حي الليرمون تعج بالألبسة والقماش، قبل أن تنهب كامل البضاعة مع اندلاع المواجهات بين الطرفين، حاولت جاهداً معرفة هوية الفاعلين لكني لم أتمكن من الوصول إليهم، لم يعد أمامي من خيار سوى الاسترزاق من هذه البسطة.. ولحسن الحظ كانت لدي كمية قليلة من البضاعة المخزنة في منزلي».

ويقول أبو باسل إن الجميع باتوا في حلب يعانون من الفقر المدقع، كما أن باب التصدير إلى الخارج والداخل توقف نهائياً، مما يضطر إلى بيع البضاعة بأسعار زهيدة، موضحاً: «لم نعد نلهث وراء الربح، بقدر ما يشغلنا كيفية تأمين حاجيات الأسرة، تألمت كثيراً حين وصلني نبأ فقدان البضاعة التي عملت من أجلها طيلة سنوات عمري، لكن الحمد الله مازلت على قيد الحياة».

ويشارك أبو باسل خمسة أشخاص آخرين يعرضون الملابس على ظهر عربات متنقلة، وفي نهاية اليوم يجتمعون في سبيل الكشف عن مردودهم اليومي، ويردف أبو باسل: «كان يعمل لدي 50 عاملاً. كنت أدير الشركة من وراء طاولة المكتب، أصبح عليّ الآن أن أقضي معظم نهاري في الشارع، وتحت وابل قصف الطيران».

وفي نفس الحي، يتزاحم عدد من الزبائن حول أبو سامر الذي اتخذ من رصيف إحدى الشوارع الفرعية مكاناً له في بيع اللحوم بدلاً من المحلات المخصصة للجزارة، حيث الخروف المذبوح معلق على خشبة ذات ثلاثة أعمدة، وتكمن المفاجأة بأن أبو سامر كان يملك أهم مطاعم الحي ، قائلاً: «تعلمت مهنة الجزارة من والدي، لم أكن أتخيل يوماً أن أعود إلى هذه المهنة خاصة بعد تحسن وضعي المادي.. دمرت القذائف الهاون حلمي، والآن عادت بنا الحرب مجدداً إلى المهنة القديمة».

ويعترف أبو سامر بأنه يملك مالاً كافياً يؤهله إلى فتح مطعم جديد في الحي، بيد أن تدهور الوضع الأمني والعسكري يقف حجر عثرة أمام طموحه.

وسارعت شريحة من التجار الذين لازموا منازلهم إلى فتح أكشاك صغيرة الحجم لكسر الروتين اليومي دون أن يعيروا الاهتمام بدوي المعركة.

ومكث أبو أحمد في منزله أكثر من سبعة أشهر بعدما كان يملك مكتباً للسيارات الواقعة على طريق المطار الدولي ، يقول: «نال مني اليأس وكاد الملل يقتلني وأنا أتحسر على ما خسرته جراء ويلات الحرب، لم اعتد الجلوس في المنزل، أردت فتح هذا الكشك لعلني أتأقلم مع ظروف الحياة، أريد أن استنشق الهواء من الخارج مهما يكن الثمن، المال يذهب ويعود، لكن المهم أن نحافظ على أرواحنا». ويضيف أبو أحمد وبادئ على وجهه علامات التعب: «الحرب لم تترك لنا أحد، حيث فقد شريكي حياته حين استهدف مكتبنا، قلبي يتمزق وينزف كل يوم على السوريين».