تبدو الأزمة السورية مرشحة بقوة لتتناسل عنها ازمات داخلية بين أطراف المعارضة. بالأحرى يبدو أنه جرى إنضاج ظروف بلوغها هذه النقطة.
فالأضواء الأميركية، الرسمية والإعلامية، باتت في الآونة الأخيرة مسلّطة بقوة على تنامي القوى المتطرفة المتمثلة بجبهة النصرة على الساحة السورية وما يشكله تفوقها على الأرض من خطر خطفها للثورة وبالتالي تحويل سوريا إلى قاعدة جديدة لتنظيم القاعدة، خاصة بعد ان أعلنت ولاءها مؤخراً إلى قيادة أيمن الظواهري.
وعليه، تتعالى الأصوات والضغوط في واشنطن، خاصة من الكونغرس، المطالبة بضرورة الإسراع في «تسليح قوى الاعتدال السورية المناهضة للنظام» لتمكينها من تحقيق الغلبة الميدانية قبل سقوط النظام، وبالتحديد الجيش الحر. واللافت أن عدداً من المسؤولين الأميركيين المكلفين بالتعاطي اليومي مع الملف السوري، أعربوا نهاية الأسبوع الماضي عن الحاجة لمثل هذا التوجه.
وهذه هي المرة الأولى التي تصدر إشارة صريحة من هذا النوع عن إدارة الرئيس باراك أوباما. الموقف الذي لم تتزحزح عنه بقي كما هو طوال الأزمة: لا تسليح للمعارضة. الان يجري تحضير الأجواء للدعم الانتقائي التدريجي لقوى الوسط والانفتاح التي يقولون أن الجيش الحرّ هو رمزها.
لماذا الحر؟
والسؤال: لماذا الصحوة الآن لدعم «الحر»، وهو معروف منذ البداية بأنه لا ينتمي إلى خندق التطرف المرفوض التعاون معه؟. لماذا كان التأخير في ترجيح كفته؟.
هل كان ذلك بنية ترك الساحة لـ«النصرة» وأمثالها لتقوى شوكتها ويصبح بالتالي دعم بعض المعارضة مبرّراً؟، أم لينشأ نوع من الغلبة، كما يجري تصويره، في صفوف هذه الأخيرة، يكفل احتدام الصراع بين أطرافها، وبالتالي إطالة أمد الأزمة وبما يكفل تمزيق سوريا أكثر مما مزقتها الحرب حتى الان؟. أسئلة تفرضها التطورات التي شهدتها واشنطن في الأيام الماضية.
فجأة، يقرر البيت الأبيض رفع درجة دعم قوى الاعتدال، الاسم الحركي للجيش الحرّ. حزمة ضمت مناظير ليلية وسترات واقية من الرصاص ومنظومة اتصالات خلوية متواصلة توفر المعلومات للمقاتلين ومن خلال الفيديو أحياناً.
تلا ذلك إفادات قدّمها مسؤولون في الخارجية ومدير «سي أي ايه» ومدير وكالة الاستخبارات القومية، تقاطعت كلها عند التأكيد على ضرورة تأمين الغلبة للمعتدلين في «التنافس الجاري بينهم وبين المتطرفين في المعارضة السورية»، بتعبير السفير الأميركي في سوريا الموجود في واشنطن روبرت فورد، والذي كان من بين الذين استمعت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ إليهم. على الأثر، طالبت كتلة مختلطة من الحزبين في مجلس الشيوخ، برفع منسوب الدعم للقوى «المناهضة» لجبهة النصرة.
رسم ملامح
بذلك، ترتسم ملامح الفترة القريبة من الأزمة السورية، من حيث أن الصراع يتجه في شقّ منه ليكون أقرب إلى الحرب بين المتنافسين على تركة، لا تبدو قريبة، كما ليس ما يضمن عدم تفتتها قبل انتقالها.
فهذه الحرب «التي تخاض بالوكالة، تشير معطياتها إلى أعوام قادمة من غياب الاستقرار والصراع على السلطة، بالترافق مع تفكك اجتماعي وتزايد التدخلات الخارجية» بحسب ما يرى الخبير في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن انطوني كوردسمان
. ففي ضوء المعطيات الراهنة «ليس هناك خيار جيد في سوريا»، بحسب ما يقول. وهو لا ينفرد في هذه القراءة التي يشاركه فيها كثير من المراقبين. وهو منحى مرشح للمزيد من التردي إذا ما سارت الأمور باتجاه مفاقمة الاشتباك بين اطراف المعارضة في هذه اللحظة من الأزمة السورية.
أصدقاء سوريا
ذكر دبلوماسيون ومصادر في المعارضة السورية أول من أمس أن اجتماع أصدقاء سوريا في اسطنبول بعد بضعة أيام سينعقد «في ظل التقدم الذي تحرزه جماعات متشددة، ما يفرض على المجتمع الدولي إلحاحا جديدا للسعي لانهاء الصراع». وقال دبلوماسي أجنبي إنّ «القوى الدولية تميل إلى كشف خداع بشار الأسد ورؤية ما اذا كان مستعدا للقبول بحل سلمي». عمّان - رويترز