أثار وصول المعارك بين مقاتلي المعارضة والقوات النظامية إلى مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية، والواقعة في شمال شرقي سوريا، مخاوف الأكراد في سوريا، لما لهذه المدينة دلالات رمزية وتاريخية في ذاكرة المكون الكردي، علاوة على أنها تشكل أكبر ثقل سياسي للأحزاب الكردية، كما يقطنها العرب والأشوريون والأرمن.
وفيما لو تطورت المعارك وسقطت المدينة الوحيدة الممتدة على الشريط الحدودي التي تتواجد فيها مقرات القوات النظامية بيد الجيش الحر، فإن تداعياتها ستكون بمثابة ضربة قاصمة للطموحات الكردية، خاصة بعد صدور المرسوم التشريعي من قبل رئيس النظام بشار الأسد والقاضي بتحويل القامشلي إلى محافظة الأسبوع الماضي.
وفي هذا الشق، تشير التقديرات الميدانية إلى أن الجيش الحر أراد دخول القامشلي بغية شل القدرات العسكرية للقوات النظامية.
فمن المطار المدني، يقصف الجيش النظامي مواقع الجيش الحر وتنطلق منه الكثير من الطائرات العسكرية. كما توجد في المدينة الفروع الأمنية وكتائب عسكرية كثيرة تُستخدم للهجوم على أماكن تواجد الجيش الحر في منطقة الجزيرة.
أسباب وحاضنة
ولا تبدو الأسباب الواردة أعلاها دوافع حقيقة وراء إصرار الجيش الحر الدخول إلى المدنية، بحسب محللين آخرين. إذ ثمة أسباب غير معلنة تدفع بالثوار في المضي قدماً صوب القامشلي.
فهم يريدون إحكام قبضتهم على طول جغرافية سوريا وعرضها بحسب استراتيجيتهم العسكرية، ويستهدفون في آن معاً إلى إجهاض أي مشروع كردي في المستقبل، وهذا كله المرتبط بالسيطرة على ثروتي الطاقة والقمح في منطقة الجزيرة.
وتبدو هذه الطريق محفوفة بالمخاطر، وقد تؤدي إلى تفجير المنطقة برمتها. فالجانب الكردي على أهبة الاستعداد للدفاع عن المدينة التي تختصر الوجود الكردي. ولذلك، سيكون الصراع صراع حياة أو موت.
ثغرات ومرسوم
ويعتقد المحلل الكردي فاروق حجي مصطفى أنه بإمكان الأكراد الدفاع عن أنفسهم لأن لديهم «حاضنة اجتماعية». والسبب الثاني، برأي مصطفى، يكمن في أن الأكراد يصرون على استغلال هذه الفرصة التاريخيّة لتعزيز مواقعهم سياسيّاً، مضيفاً: «لذلك، نراهم يدافعون عن وجودهم في ظل غياب السلطة أو هيمنة الفوضى»، على حد تعبيره.
بيد أنه ثمة «ثغرات» قد تصعب على الاكراد مهمة «في الدفاع عن عاصمتهم»، بحسب ما يقول الكاتب الكردي محمود عباس. ويشير عباس: «القوة الموجودة بيد الحزب الاتحادي الديمقراطي متذبذبة وقد تفشل في الدفاع عن المدينة، رغم أن أنصار هذا الحزب يرجحون فرضية الانتصار على الهزيمة في حال وقوع مواجهات محتملة».
ويرجع عباس أسباب التوتر هذا إلى صدور المرسوم التشريعي من قبل رئيس النظام بشأن تحويل القامشلي إلى محافظة الأسبوع الماضي، ما فتح أعين المعارضة عليها قبل أن تنفرد بها القوة الكردية بشكل تام في المستقبل. ويتهم عباس بعض القوى الكردية بلعب دور في ما تذهب إليه القامشلي، قائلاً: «بسبب الصراعات الموجودة بينها، فإن تلك القوى تريد حل القضية بمساعدة جهات خارجية، كما أن ثمة شخصيات عربية في المنطقة تساند التيارات المتطرفة لضرب الاكراد قبل السلطة، وتدخل تركيا في هذا المخطط ايضاً»، على حد وصفه.
صراع
يتجه الصراع الدائر على القامشلي إلى ضرب أي فرصة لتشكيل كيان كردي تحت نظام سوري لا مركزي. وعلى الأغلب، تستهدف بعض أطراف المعارضة والنظام إلى تقزيم «القضية الكردية»، ليس الآن فحسب، بل حتى بعد زوال السلطة.