مع بزوغ خيوط الشمس الأولى سارع أبو أحمد كغيره من سكان حي الشيخ مقصود في حلب إلى حزم حقائبه وتجهيز أمتعته الضرورية برفقة عائلته المؤلفة من سبعة أشخاص، قاصداً الشارع العام باحثاً عن أي وسيلة نقل تنجيه من ضربات وابل قذائف الهاون على الحي إثر ليال ساد فيها الذعر ونالت من عزيمة الرجال قبل النساء والأطفال.

وفوجئت العائلات التي قررت النزوح بعدم توفر وسائل النقل وجشع وانتهازية سائقي السيارات الموجودة بشكل نادر. وقال أبو أحمد: «طلب مني أحد السائقين مبلغ 2500 ليرة سورية عن كل راكب إلى كوباني (شمال شرق حلب) حيث هي وجهتنا». وأضاف أبو أحمد الذي كان يعمل نجار مواد بناء، متحسراً: «من أين لي تدبر هكذا مبلغ وأنا عاطل عن العمل منذ شهور، إن جشع هؤلاء يدمي القلوب أكثر مما فعلته تلك القذائف».

اعتقاد وعوائل

وساد الاعتقاد بين الأهالي بأن حي الشيخ مقصود ذو الأغلبية الكردية سيبقى بمنأى عن الصراع الدائر بين الجيش الحر وقوات النظام، لا سيما أنه يحتضن العوائل النازحة من معظم الأحياء الثائرة بوجه النظام كما أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي كان يدأب على تحييد الأحياء الكردية من القتال المحتدم بين الطرفين، الأمر الذي رجح فرضية بقاء هذه المناطق آمنة. بيد أن التنسيق الذي جرى بين الأكراد والجيش الحر، بشكل مفاجئ، حوّلت الحي إلى بؤرة صراع جديد، فكان كابوس الحرب المرعب يطرق أبواب الناس في الحي، وعليه، باتوا أمام أحد خيارين، البقاء تحت رحمة القصف أو البحث عن ملاذ آمن.

ودفع هذا النزوح القسري الطالبة الجامعية مزكين إلى تصوير غرف منزلها بجهاز الموبايل، وأجهشت بالبكاء قائلة: «لا أدري إن كنت سأرى هذا البيت مرة أخرى أم لا، أردت تصوير البيت لأحتفظ بذكرياتي أنا وعائلتي، عشت طفولتي بين جدران هذا المنزل.. إنهم يصادرون ذكرياتنا، فهل من قسوة وألم أشد من هذا ؟».

رفض النزوح

فقط قلة من السكان رفضت النزوح مع الغالبية، كونهم سبق لهم وتجرّعوا مرارة النزوح أكثر من مرة، وأبو أمير واحد من هؤلاء، حيث خرج وعائلته من حي صلاح الدين «المنكوب» ولجأ إلى حي الأشرفية. وتكررت مأساة نزوحه مرة أخرى بعد المعارك الضارية التي شهدها هذا الحي، فحط به الرحال بحي الشيخ مقصود، قائلاً: «إلى أين سأرحل؟ وإلى متى يتكرر مسلسل النزوح المتعاقب؟.. هذه المرة أفضل الموت هنا على فصل من فصول التشرد الجديد».

وأضاف أبو أمير بأن هذا الحي كغيره من أحياء حلب لم يكن يعرف السكون، حيث كان يعج بالمارة وضجيج السيارات وأصوات الباعة المنتشرين في أسواقها وحركة بيع وشراء كانت نشطة. ويروي أبو أمير الذي تجول ليستطلع ما يدور في الحي: «لا شيء الآن سوى محلات ودكاكين مغلقة، تم إخلاء الحي خلال ساعات معدودة، ها هو يتحول إلى مدينة أشباح، بعدما كان يضج بمئات الآلاف».

إلى عفرين

يشير جوان، البالغ من العمر25 عاماً بخوف: «قطعت الطريق مع أمي المقعدة، حيث كنت أدفع الكرسي بسرعة قصوى خشية طلقات القناصة المنتشرين في الأبنية العالية، كان أزيز الرصاص مروعاً.. لم تكن لحياتي أي قيمة في تلك اللحظة، فكل همي كان إيصال والدتي إلى حافلة يتجمهر حولها المسافرون إلى مدينة عفرين». ويقول جوان الذي قضى معظم حياته في حي الشيخ مقصود: «نمضي إلى المجهول، ليس لدينا منزل في عفرين ولا نملك مالاً كافياً لنستأجر هناك».