بدأت تلوح أجواء من الانفتاح وبوارق أمل على أفق الأوضاع السياسية في السودان، عقب إعلان الرئيس السوداني عمر البشير، وقبلها نائبه الأول علي عثمان محمد طه، الدعوة إلى حوار شامل لا يستثني ولا يقصي أحداً، ففي الوقت الذي اعتبرت فيه الحكومة إطلاق سراح عدد من المعارضين السياسيين المعتقلين بمثابة عربون للحوار، رحبت المعارضة بالخطوة ترحيباً مشروطاً بإطلاق جميع المعتقلين بمن فيهم منسوبو الحركات المسلحة والعسكريون.

وفي تلك الأجواء الملبدة بغيوم أزمة الثقة بين الحكومة والقوى المعارضة، خرج زعيم حزب الأمة المعارض الصادق المهدي بمبادرة أطلق عليها «معالم الفجر الصادق» في السودان، وضع فيها عدة معطيات، قال إنها يمكن أن تجمع فرقاء السياسة والبندقية على طاولة واحدة، وضمنها شروط عدة، قال إنها يمكن أن تجعل هذا الانفتاح فجراً صادقاً، حيث من المنتظر أن يبدأ المهدي حملة شعبية واسعة تنطلق غداً للتعريف بمبادرته.

وتتمثل تلك الشروط في ضرورة تأييد القوى السياسية السودانية كافة للاتفاق الأخير مع دولة جنوب السودان وتطويره لإبرام علاقة خاصة مع دولة الجنوب، تحقق التعايش السلمي والتكامل في وجوه الحياة كافة بين البلدين، إلى جانب الحصول على تجاوب كل فصائل دارفور على أساس اتفاق الدوحة ووثيقة «هايدلبرج» وموافقة الحركة الشعبية ـ قطاع الشمال على اتفاقية سلام تحقق مطالبهم في نطاق وحدة السودان، وأن يوافق قادتها على المشاركة في عملية الدستور الجديد، بالإضافة إلى تجاوب قوى المعارضة مع مبادرة الوفاق الوطني على أساس التعاون لإتمام تلك العوامل وعلى كتابة الدستور على أساس الاتفاق على آلية قومية لتحقيق ذلك، وكذلك التعاون لعقد مؤتمر اقتصادي قومي والالتزام بنتائجه، وإسناد عملية محاربة الفساد لمفوضية مستقلة، استعانة بالتجربة التونسية، بجانب إسناد عملية المصارحة والإنصاف لهيئة، استعانة بالتجربة المغربية وجنوب إفريقيا.

ودعا المهدي في مبادرته التي طرحها بمنتدى في المركز السوداني للخدمات الصحافية، التابع لجهاز الأمن السوداني، حضره عدد من القيادات السياسية أبرزها السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني محمد مختار الخطيب، جميع القوى السودانية لإحصاء معطيات الواقع السوداني قبل الحكم على توجهات الانفتاح التي بدأتها الحكومة، والتي أجملها في أن حالة الاحتجاج في البلاد بلغت درجة غير مسبوقة منها: «وجود عدد من جبهات القتال التي تستنزف القوات المسلحة وتنامي حركة النزوح خارج السودان، ووجود حركة مطلبية واسعة تحولت لاعتصامات وإضرابات، مهدت لظهور تكتلات شبابية هائلة تتجه نحو رموز تناهض التوجه الحضاري الذي نادت به حكومة الإنقاذ في بداية عهدها، إضافة إلى ظهور حركات شبابية تتحرك اقتداء بجيل التواصل الإلكتروني».

وقال المهدي إن هناك أنشطة مدنية وفكرية واسعة تصنف في صف المعارضة، تردد رؤى تتماشى مع أصحاب الرأي الآخر المعارض، مشيراً إلى حصار الأسعار الذي يزيد من اشتعاله التردي الاقتصادي، ووجود الضغوط الدولية ممثلة في القرار 2046، وربط «أية معاملات إيجابية مع السودان بشروط معينة تطابق الأجندة الوطنية إلى جانب التشويه غير المسبوق في الجسم السياسي السوداني الذي ينذر بحروب أهلية معلقة، بالإضافة إلى بروز جبهة إسلامية وأخرى علمانية ووجود تيار ثوري مسلح لإسقاط النظام، ونمو تيارات تكفيرية تقول بأجندة تنظيم القاعدة»، وأضاف أن «هذه تدعو من كان له عقل أو وطنية داخل النظام الحاكم لإدراك أن هذا التراكم ينذر؛ لا فقط بإسقاط النظام بل بإسقاط الوطن، مما يتطلب عملا استباقياً جاداً».

ويشير زعيم حزب الأمة إلى أن ما سيجعل قوى المعارضة تفضل التجاوب مع دعوات الحوار يتمثل في التغييرات التي حدثت بالقوات المسلحة السودانية وذلك بظهور قوى عسكرية أخرى داخل السودان بأجندات مختلفة، إذ يرى المهدي أن «أي محاولة لعمل عسكري بغرض إسقاط النظام يمكن أن تواجه بأجندة عسكرية مختلفة، محملة بتطلعات بعيدة عن الأجندة القومية، مشيراً إلى أنه في حال تخلف الإجراء الاستباقي المنشود فإن التراكم المشار إليه سوف يدفع نحو انتفاضة، ولكن مع غياب الحسم العسكري النظامي المعهود بسبب تعدد فصائل العنف فإن البلاد ستتجه نحو الصوملة».

فريضة دينية

كشف رئيس حزب الوسط الإسلامي المعارض يوسف الكودة، المفرج عنه أخيراً، أن سلطات الأمن السودانية منعته من أداء فريضة الجمعة لسبع جمع متواصلة، هي فترة اعتقاله التي امتدت 48 يوماً، في ذات الوقت الذي شدد فيه على أن اعتقاله كان نوعاً من التضييق على الحريات الذي تنتهجه الحكومة السودانية من دون مبرر.

وقال الكودة، الذي اعتقل على خلفية توقيعه على وثيقة «الفجر الجديد» مع قادة الجبهة الثورية المتمردة بالعاصمة الأوغندية كمبالا، في مؤتمر صحافي عقده أمس بمناسبة إطلاق سراحه من الاعتقال، انه لم يقترف ما من شأنه اعتقاله عليه، مشيراً إلى أن جلوسه مع قادة الحركات المسلحة وتوقيعه على وثيقة «الفجر الجديد» واجب يقتضيه الشرع الاسلامي قبل الواجب الوطني. ونفى الكودة تعرضه للتعذيب البدني أثناء الاعتقال غير أنه أشار إلى أن ما لقيه من تعذيب معنوي كان أشد.