فور منح المعارضة مقعد سوريا في القمة العربية، طرح السؤال في واشنطن عما إذا كان من شأن ذلك أن يجعل الطريق سالكة لاعتراف الأمم المتحدة بها وإعطائها بالتالي مقعد سوريا في الجمعية العمومية. إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما سارعت إلى الإيحاء بأنها ليست متحمسة الآن لمثل هذه النقلة النوعية. تركتها لآليات الأمم المتحدة والأصول المتبعة لديها، في هذا الخصوص.

أما الناطق الرسمي في الخارجية الأميركية، فقال إن المقعد عملية «قانونية» ومن هذه الناحية، هي كذلك. فحسب ميثاق المنظمة الدولية، على الجهة المعنية تقديم طلب إلى مجلس الأمن الدولي مشفوعاً بكتاب يعلن عن التزامها بالموجبات المنصوص عنها في الميثاق. يدرس المجلس الطلب ويطرحه على التصويت. قبول العضوية يتطلب حصول الطلب على تسعة أصوات من أصل أعضاء المجلس الـ 15؛ على أن لا تكون دولة كبرى، من أصحاب «الفيتو»، في عداد الممانعين. عندئذ يحال الطلب الذي يحظى بالموافقة على الجمعية العمومية للتصويت عليه بأكثرية الثلثين لكي تصبح العضوية قانونية ونهائية.

لكن المطروح هنا حلول مكان وليس اكتساب عضوية جديدة. وحتى الجديدة لها جانب سياسي، يبدأ السعي من خلاله. فحمل مجلس الأمن على القبول وبعده الجمعية العمومية، يلزمه تأييد سياسي؛ كان يمكن أن يتمثل في الحالة السورية، بإعلان الإدارة عن احتضانها لانتقال المقعد إلى المعارضة؛ فور تشكيل حكومتها. حتى ولو كان من المتعذر حالياً، في ضوء «الفيتو» الروسي والصيني، ضمان العملية.

حكومة توافق

لكن واشنطن تبدو غير مستعجلة على ولادة حكومة توافق عريض تكون مقبولة وقادرة على عبور المرحلة الانتقالية. ومن هنا فتورها إزاء موضوع المقعد في الأمم المتحدة. ردود فعلها على التطورات السياسية الأخيرة في ساحة المعارضة، تشي بذلك. جاءت في معظمها ملتبسة في أحسن أحوالها. وبما يزيد من التباعد بين فصائل المعارضة بدلاً من تعزيز التقارب. مع أن هناك خطوات حصلت وتتطلب التعامل معها بدرجة تغيراً ما في الموقف. منها اختيار رئيس حكومة انتقالية، وكذلك استقالة معاذ الخطيب. لكن خطاب الإدارة بقي هو نفسه: «نعمل لتوحيد صفوف المعارضة»، مع أنه ليس سرّاً في واشنطن بأن الإدارة دفعت في اجتماع اسطنبول نحو اختيار رئيس الحكومة المؤقتة غسان هيتو، حيث رحّبت به على الفور وأشادت بدوره في العمل الجاري لمساعدة اللاجئين السوريين قرب الحدود «في حين كان بإمكانه البقاء حيث يعيش حياة سعيدة في ولاية تكساس» الأميركية، كما قالت يومذاك الناطقة الرسمية في الخارجية. والسؤال كان ليس عن مواصفات الرجل بل عن انتقائه بعيداً عن الساحة كما عن التشاور الواسع مع أطرافها. وبنفس البرود، كان ردّ فعلها على انسحاب الخطيب، الذي كان حظي هو الآخر بالترحيب من قبلها. وكأن المطلوب تقطيع الوقت، من خلال تناسل الخلافات والتفرّج عليها.

طبخة سياسية

وتبدو إدارة أوباما غير راغبة الآن في قيام البديل الحكومي في الخارج، لأن من شأن ذلك أن يستدعي تسليحه وبما يكفل حسم الصراع على الأرض. والإدارة ليست في هذا الوارد، حتى اللحظة. واعتمدت من البداية سياسة قامت على ثلاث ركائز: 1- أنها تدعم المعارضة لكنها ضدّ تسليحها. 2 أنها تحض أطرافها على التقارب ووحدة الصف. 3- أنها تدعو إلى التغيير في سوريا من خلال عملية انتقالية سياسية. تحت هذه العناوين تعاملت مع الوضع، ولو أنها قامت بتعديل ملتبس للأول من هذا الثلاثي خلال زيارة وزير الخارجية جون كيري إلى المنطقة؛ حيث بقيت على رفضها المساهمة بالتسليح لكنها لا تعترض عليه إذا جاء من جانب جهات أخرى. وما زالت على هذه الثوابت التي ما فتئ يكرّرها المسؤولون. مراهنتها كانت وما زالت على ترك الوضع على حاله، كي تنضح طبخة المخرج السياسي، « فتدخل عندئذ على هذا الخط مع موسكو»، حسب قراءة أحد المحللين. الخطر في ذلك، أنه يستلزم استمرار اللعب بالمعارضة وبسوريا لحين النضوج، الذي قد يأتي متأخراً جداً.

سياسة متفككة

انتقدت وسائل الإعلام الأميركية بصورة واضحة موقف إدارة باراك أوباما من الأزمة السورية. وكانت آخر المواقف والمقالات الإعلامية هو ما كتبته في هذا الشأن صحيفة «واشنطن بوست» في مقال افتتاحي الأسبوع الماضي.

وذكرت الصحيفة أن «خوف الإدارة الأميركية من حدوث انتكاسة أو تدهور للأوضاع في سوريا بمعنى سقوط الأسلحة في أيدي عناصر متطرفة يمكن تفاديه عن طريق واحد آمن إلا وهو إلقاء دعم واشنطن وراء الرئيس بشار الأسد الديكتاتور الذي يسعى البيت الأبيض للإطاحة به»، وأوضحت أن «هذا التناقض يتمركز في قلب سياسة أوباما المتفككة تجاه سوريا حيث في حال سقوط النظام، سيكون هناك نسخة سوداء للشرق الأوسط مع فتح الباب على مصراعيه أمام مبيعات كافة الأسلحة الحديثة المتطورة ومن بينها البطاريات. وفى حال فوز الأسد في القتال الدائر في بلاده، سيبقى الباب مغلقا أمام مبيعات الأسلحة».