يسود على ملامح رجل كبير بالسن علامات الاضطراب والذعر، وترصد نظراته تحركات الجندي التركي خلف الأسلاك الشائكة. ويقول: «خيار البقاء في الوطن، يعني الأمرين، أن نموت بسلاح بشار الأسد، أو أن ينال منا الجوع».
ويردف الرجل المسن، وهو ينتظر مع حشود غفيرة من عائلات سورية على نقطة حدودية واقعة ما بين مدينتي تل الأبيض وكوباني، منتظرين فرصة سانحة بغية تسلل سراً إلى الأراضي التركية، قائلاً: «حالما يبتعد الجندي التركي عن الفتحة المخصصة لعبور الناس، سنجتاز الأسلاك الشائكة».
هذا مشهد بسيط من دياسبورا سورية حيث يشرد شعب من وطنه ليصبح مشتتا في المنافي مجموعات متباعدة.
ولا يخفي أبو عمر مخاطر اجتياز الحدود فيما لو شعرت الدورية الحراسة التركية بأمر عبورهم. ولهذا، يحاولون تفادي الوقوع بيد الدورية التي تعيدهم مجدداً إلى نقطة البداية داخل الحدود السورية، مشيراً: «علينا قطع المعبر بسرعة قصوى، ونبتعد خلال لحظات قصيرة مسافة واحد كيلومتر على الأقل، تفادياً للفت الأنظار الدورية. حتى لو كان معك النساء والأطفال، لا بد من خوض هذه المغامرة الخطيرة».
جوازات ومال
ولا يملك هؤلاء جوازات سفر وأوراق الرسمية، ولا يتوجهون نحو مخيمات اللاجئين، بل يجتازون الحدود سراً، بدافع البحث عن فرص العمل والأمان المنشود.
فأبو قاسم، الذي كان يعمل خياطاً في إحدى المعامل بمدينة حلب، وصل للتو مع عائلته من حي بستان الباشا إلى هذه المنفذ الحدودي. ويقول: «سأقصد مدينة غازي عينتاب، حيث هناك ابن عمي يعمل في ورشة الخياطة، توقفت عن العمل منذ سبعة أشهر، جراء انعدام حركة الاستيراد والتصدير للبضاعة، ما دفع أصحاب العمل إلى إغلاق ورشهم نهائياً».
وأضاف: «جمعت مبلغاً من المال على أمل أن يسعفني ريثما نتجاوز هذه المحنة، لكن الأزمة لم تنتهِ، وصرفت كل مدخراتي وسط ارتفاع الأسعار بشكل صاروخي، بحيث تعجز حتى تلك العائلات ميسورة الحال من مواكبتها».
تدهور وطلاب
وتتزامن هذه الحركة القادمة من معظم المناطق المحاذية للحدود التركية، مع تدهور الليرة السورية مقابل الدولار، وعجز المعارضة بشقيها السياسي والعسكري عن إيفاء الحاجيات الأساسية للمناطق المتحررة من قوات النظام. كما أن المساعدات الإغاثية تكاد تنعدم في معظم تلك المناطق.
ولم تنحصر الهجرة سراً إلى تركيا لفئة العاملين فقط، فثمة طلبة جامعيون تركوا المقاعد الدراسية، إثر تدهور القطاع التعليمي، لينضموا، كما غيرهم، إلى تلك العائلات المحتشدة. فساهر كان يدرس اللغة الإنجليزية في عامه الأخير بجامعة حلب، حيث حرمه تدهور الأوضاع الأمنية من فرصة التخرج. ويقول: «هربت مع عائلتي من حي بستان الباشا إلى مدينة منبج، للمكوث عند أحد أقربائنا هناك».
نازحون
200
يشير أبو عبد الله، الذي يسهل عملية عبور العائلات النازحة، إلى أن أعداد العائلات الوافدة إلى تركيا تصل يومياً بين 100 و200 عائلة، من معظم المحافظات السورية، مضيفاً أن هذا العدد «قابل للارتفاع، كلما تدهورت الأحوال المعيشية والأمنية».