تضع سطوة الميليشيات المسلحة في ليبيا مشروع الدولة على «المحك» بينما تقف المؤسسات الوليدة عاجزة عن السيطرة على الفلتان الأمني. والنتيجة أن «الشرعية الثورية» التي يجسدها أفراد الميليشيات وقادتهم باتت أكبر من تلك التي كان يتمتع بها أفراد النظام السابق، ورخصت الحكومة المؤقتة إنشاء مظلات أمنية تضم الميليشيات مثل «قوات درع ليبيا»

ويجمع المراقبون في الداخل الليبي وخارجه على أن الحكومة فشلت بشكل ذريع في توفير الحدّ الأدنى من الأمن في وجه ميليشيات تتصرف خارج إطار المساءلة. حيث أصبحت ليبيا الانتقالية تتخبّط تحت «حكم الميليشيات»، في وقت تشكّل هذه الأخيرة التحدي الأكبر لجميع القوى السياسية.

فالانفلات الأمني الكبير كان يرى بصورة واضحة من خلال الوضع الأمني المهلل والمفكك الذي خلقته فوضى السلاح المنتشر بشكل واسع بأيدي الليبيين خصوصاً والميليشيات عموماً التي دخل بعضها في نزاعات قبلية وصراعات نفوذ وزعامات وفرض السيطرة على بعض المناطق والمدن وإعلان استقلالها تارة وانفصالها تارة أخرى عن الوطن الأم.

ما يضع تلك المجموعات في دائرة الضوء بسبب تلك الأدوار المريبة التي لاتزال تقوم بها خلف الكواليس والتي تثير الكثير من الشكوك والتساؤلات حول مدى وحدود ارتباط تلك المجموعات بالعامل الخارجي الذي يسعى للحفاظ على مكتسباته في ليبيا من خلال إبقاء الوضع يراوح في مكانه أسيراً للفوضى الأمنية وللصراعات والحروب الأهلية التي تلتهم نيرانها الأخضر واليابس والتي ليست في النهاية سوى تنفيذ لأجندات خارجية مرتبطة بمشاريع ومخططات استعمارية محضة.

الى ذلك، فإن ثمّة خطراً آخر يواجه ليبيا، وهو خطر الصراعات بين التيارات السياسية والتحالفات الهشّة داخل المجلس الانتقالي. وفي ظلّ وجود عدد من الموالين علناً للغرب، في مقابل وجود تيارات إسلامية بعضها معتدل والآخر متشدّد مثل «القاعدة».

وبين هذه التيارات الإسلامية والتيارات السياسية الأخرى العديد من التناقضات والصراعات، فضلاً عن صراعات القبائل والمناطق. يضاف إلى ذلك عوامل سلبية أخرى كثيرة، منها انهيار مؤسّسات الدولة الليبية، وفي مقدّمها مؤسّسة الجيش الليبي، الذي يحتاج الى إعادة بناء بعد تدميره، سواء في الحرب الأهلية الليبية أو في غارات حلف «الناتو».

وفي إشارة إلى ضعف الحكومة في وجه القبائل، فقد قتل السفير الأميركي كريس ستيفنز في هجوم شنته ميليشيا إسلامية من «أنصار الشريعة» فيما استعانت الحكومة لصدّ المهاجمين بميليشيا أخرى. ولكن مقتل ستيفنز لم يكن الوحيد، فقد أدى القتال بين الميليشيات في مزدة والزنتان وغيرها إلى مقتل أكثر من 200 شخص. وفي طرابلس هاجم الأصوليون الإسلاميون مقابر وأضرحة ورموزا صوفية، بينما وقفت القوى الأمنية جانباً بحجة عدم التمكن من دخول «معركة خاسرة».

وفي النهاية، تبقى ضرورة إيجاد حلّ لـ«دولة الميليشيات» أولوية الأولويات بالفعل قبل أن تدخل الأزمة كما ليبيا في دائرة مفرغة، حيث تضعف سلطة الدولة فيزداد نفوذ الميليشيا ومعه خوف الجمهور الذي سيفضل اللجوء إلى الميليشيا لضمان أمنه فتحظى الأخيرة بشرعية المجتمع.. وهناك يضيع الحدّ الفاصل بين الميليشيا والدولة.