تعد بلدة عقرب الواقعة في ريف حماة نموذجاً مصغراً يجسد التوتر الطائفي الحاصل في مناطق التماس الديني (سني- علوي) بسبب حكم نظام بشار الأسد الذي يواجه ثورة منذ عامين. فغالبية سكان هذه البلدة، المطوقة من القرى العلوية، هم من التركمان السنة مع وجود نسبة صغيرة من العائلات العلوية بينها. ولم يتبقَّ من قاطنيها الآن سوى بضعة أفراد وعائلات متناثرة بين الأطلال والركام إثر تدميرها بالكامل في قصف القوات النظامية القادم من القرى العلوية الموالية.
ويرجع صفوان، وهو ناشط مقيم في مدينة حماة ترك منزله مهدماً خلفه في عقرب، بذاكرته إلى الوراء، ويسرد طبيعة الحياة السائدة بين الطائفتين في المراحل الأولى من انطلاقة الثورة: «حين هبّت الثورة، قام الأهالي بالتظاهرات على مدار شهور متواصلة، وكان العلويون من أهالي البلدة يراقبون جيرانهم وهم يهتفون بالحرية دون أن يتعرض متظاهر بسوء لهم، لأن صراعنا كان ينحصر مع النظام فقط». ويقول صفوان: إنه «بموازاة ذلك، كان العلويون شهوداً على عمليات اقتحام قوات النظام داخل البلدة في سبيل قمع التظاهرات واقتياد النشطاء السنة إلى السجون. هنا كانت النقطة الحاسمة في بروز علامات السخط والتذمر المتبادل بين الطرفين. فالاعتقالات والتعذيب لأبناء البلدة في أقبية النظام كانت تتم بمساعدة أشخاص علويين من نفس البلدة كانوا يتقدمون عناصر الأمن في الكشف عن هوية جيرانهم المشاركين في التظاهرات».
ويعتقد صفوان أن هذا التصرف «لم يرتق إلى مستوى التناحر بين الطائفتين المتعايشتين معاً، بقدر ما زاد من نقمة الأهالي ضد هؤلاء الأشخاص الذين كانوا يمارسون التشبيح بحق السكان، ويشاركون الأمن في اعتقال النشطاء الذين مازال حتى هذه اللحظة مصيرهم مجهولاً».
تسليح «الشبيحة»
ويقول الأهالي: إن «النظام شحن القرى العلوية الموالية ضد المنتفضين السنة، وسارع إلى تسليحهم، حتى تلك العائلات المقيمة بينهم في عقرب، فيما كان القصف يأتي من القرى العلوية المجاورة». ويقول فراس، وهو من أهالي القرية المهجرين الذين انخرطوا في صفوف الجيش السوري الحر: «لم ننجر إلى رد الصاع بالصاعين حيال العلويين المقيمين بيننا رغم نسبتهم القليلة، واستمر التعايش لشهور». ويضيف: «ما كان يعزر من تمسك أبناء السنة بمبدأ ضرورة التعايش هو إصرار أبناء البلدة باتهام النظام ومليشياته، حينما كنا نتلقى نبأ ذبح الشباب السنة على يد العلويين من القرى المجاورة لدى مرورهم منها، هذه القصة تكررت مع سبعة أشخاص من أهل البلدة». ومن بين الأساليب الملتوية التي انتهجها النظام في تأجيج الصراع بين الطرفين، قيامه بسحب العلويين من بلدة عقرب مقابل إبقاء أهل السنة، بالتزامن مع انسحاب حواجز النظام من أطراف البلدة المحاصرة، ونصبها أمام مداخل القرى العلوية المحيطة في البلدة، الأمر الذي جعل الشك يدب في نفوس السنة بوجود نية مبيتة يسعى النظام إلى تنفيذها. ويشير أبوإسماعيل، وهو احد الذين نزحوا إلى إحدى القرى في ريف حماة: «أيقن الناس أن النظام سيستهدف البلدة، وليس أمامهم خيار سوى المغادرة وإخلاء القرية».
مجزرة ديسمبر
وفيما كانت طائرات النظام تضرب البلدة بالصواريخ والبراميل المتفجرة، فإن بعض العائلات العلوية تنصلت من تطبيق خطة الإخلاء التي نفذها أقاربهم من نفس الطائفة. فأراد الجيش الحر نقلهم إلى الملاجئ لحمايتهم من قصف الطيران الذي لا يميز بين بيوت السنة والعلويين. وفي هذه الأثناء، كانت مجزرة عقرب الشهيرة التي راح ضحيتها أكثر من 100 شخص في ديسمبر العام الماضي على وشك الحدوث، لتقطع معها أوصال التعايش السلمي من جذوره. وكان أبوهشام شاهداً على تلك المجزرة المروعة، حيث يلفت إلى أن «بعض الشبيحة العلوية الذين لم يغادروا البلدة، قاموا باحتجاز عائلات سنية في أحد ملاجئ البلدة بغية ابتزاز الجيش الحر». ورغم أن بعض الروايات الصادرة من القرى الموالية تتهم مقاتلي المعارضة بالوقوف وراء هذه الجريمة، إلا أن معظم الشهادات تؤكد تورط مليشيات النظام، حيث يقول أبوهشام في هذا السياق: «قمنا بتأمين 250 شخص علوي وإيصالهم إلى القرى العلوية المجاورة سابقاً، ودخل الوجهاء بنية صادقة لفض التوتر، فيما بيتوا الغدر، فقتلوا الوجهاء».
حواجز النظام
لم تخلُ التوترات قبل مجزرة ديسمبر 2012 من قيام حواجز قوات النظام الموزعة على أطراف بلدة عقرب من خطف الشباب وإرسالهم إلى القرى العلوية مقابل طلب الفدية من سنة عقرب. وزادت هذه المحاولات والابتزازات من تعميق الفجوة بين الطائفتين، لاسيما أن حاجز النظام كان يلوح ضمنياً بأنهم يتعاملون مع العلويين بنفس الطريقة.